فى لحظات الفقد، وحين يثقل القلب بما لا يُحتمل، وتضيق اللغة عن احتواء الألم، لا يجد الإنسان ملاذًا إلا فى كلمات السماء؛ تلك التى تنساب سكينةً فى الروح، وتعيد ترتيب الفوضى الداخلية بنورٍ من اليقين، وترمم ما تهدّم فى أعماقنا، فتهب الحزن معنى، والرحيل حكمة، والفقد طمأنينة. ومن الآيات التى تهبط بردًا وسلامًا على القلوب المفجوعة، قوله تعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية، فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى». هذه الآية، كما فسرها الإمام ابن كثير، نداء تكريم إلهى لنفسٍ بلغت ذروة الطمأنينة؛ نفسٍ آمنت فاستقرت، ورضيت فارتقت، فكان جزاؤها أن تُستقبل عند الرحيل بنداءٍ يليق بمقامها، فهى النفس التى سكنت إلى وعد الله، واطمأنت بذكره، وظلت فى الدنيا راضيةً بقضائه، حتى إذا جاءها اليقين، قيل لها: عودى إلى ربك، راضيةً بما أُعطيت، مرضيًا عنك بما قدمت. أما الإمام محمد الطبرى، فيرى أن هذا النداء يكون عند مفارقة الروح للجسد، حيث تُبشَّر النفس المؤمنة برضا الله عنها، وتُدعى إلى الدخول فى زمرة عباده الصالحين، ثم إلى جنته التى وعد بها المتقين، إنه مشهد مهيب، يغدو الموت فيه عبورًا لا نهاية، وتتحول فيه نظرتنا للفقد؛ فلا يعود الرحيل فناءً، بل انتقالًا من ضيق الدنيا إلى سعة الرحمة، ومن ألم الغياب إلى أمل اللقاء. لقد أدركتُ، حين فقدتُ أمى منذ أيام، أن الذين نحبهم لا يختفون، بل يسكنون فينا بصورةٍ أعمق؛ فى الدعاء، وفى الذكريات، وفى تفاصيل لا تغيب، وحين نودّع أمًا، لا نملك إلا أن نرجو أن تكون من تلك النفوس التى ناداها الله بهذا النداء العظيم، وأن تكون قد عادت إليه راضيةً مرضية، وأن يكون فراقنا المؤلم هو أول سطور طمأنينتها الأبدية. وهكذا، حين يهدأ صخب الحزن قليلًا، ندرك أن الأحبة لا يغيبون، بل يتركون فينا أثرًا لا يزول، ودعاءً لا ينقطع، وحنينًا يتحول مع الأيام إلى سكينة، لعل الرحيل كان قاسيًا علينا، لكنه -فى ميزان الرحمة الإلهية- بداية طمأنينةٍ أبدية لا يعرفها إلا مَن ناداهم الله: «يا أيتها النفس المطمئنة». اللهم اجعلها من أهل هذا النداء الكريم، وارزقها سكينة القبر ونور الرحمة، واجعل ذكراها فى قلوبنا حياة، واجمعنا بها فى مستقر رحمتك، إنك على كل شىء قدير. أسألكم الدعاء لها بالعفو والرحمة والمغفرة.