منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ونحن أمام عملية انكشاف استراتيجى لم يشهدها الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية. فنحن لسنا بصدد جولة استعراضية، بل فى قلب حرب «الضرورة الأخيرة» حيث تشابكت جبهة غزة كشرارة انطلاق، مع هذه الحرب. التاريخ يرجح أننا لن نكون أمام انتصار حاسم، بل نصر نسبى لكل طرف، تصاغ حقيقته فى منطقة رمادية بين الادعاءات المتقابلة، فإيران قد ترفع سقف التفاوض بإطالة أمد الصراع، لكنها فى الوقت نفسه تتحرك ضمن حدود قدرة اقتصادية وسياسية لا تسمح بحرب بلا نهاية.. والولايات المتحدة رغم قدرتها لا تملك رفاهية الانخراط الكامل.. ولذلك فإن توقيت الحرب لن يمتد إلى سنوات، بل إلى أسابيع أو شهور، وهى المدة التى تحكمها لحظة تلاقى الإرهاق مع الخوف.. إرهاق من الاستمرار، والخوف من الانفلات.. وعندها يتم فتح باب التسويات. خاصة أن هناك إدراكًا تامًا بأن كل يوم إضافى فى الحرب يرفع الكلفة، اقتصاديًا حيث تتآكل الموارد، وسياسيًا حيث تتزايد الضغوط، واستراتيجيًا حيث تتسع دائرة المخاطر، ومن هنا يأتى تدخل القوى الدولية باعتباره ضرورة، ليس لإنهاء الحرب بقدر منعها من الخروج عن السيطرة. خاصة أن الحرب لن تنتهى إلا عندما يدرك البيت الأبيض أن ثمن إسقاط النظام فى طهران هو انهيار النظام العالمى الحالى.. وعندها تُطرح تسوية «الضرورة المرة»، باعتبارها نقطة تعادل قلق تفرضها القوى الدولية، فى ظل حضور صينى - روسى وازن، حيث لا تخرج إيران مهزومة كليًا، ولا تخرج إسرائيل آمنة كما كانت قبل أكتوبر 2023. لعل الجميع يدرك أن لهذه الحرب تداعيات خطيرة، فنحن بصدد ولادة إقليم جديد تمامًا، بعد انكسار أسطورة الردع، وتصدع القلعة الحصينة الإسرائيلية، وتراجع السيطرة البحرية الأمريكية، أمام سلاح المسيرات وصواريخ فرط صوتية الإيرانية. كما أن هذه الحرب سوف تعيد رسم خرائط النفوذ، وتكرس لنمط جديد من الحروب التى لا تحسم بل تدار.. خاصة أن العالم سيدخل فى عقد من الزمن تهيمن فيه هواجس الأمن على رفاهية الاقتصاد. وأن لحظة إعلان وقف إطلاق النار، لن تكون نهاية الحرب، بل بداية لمرحلة أكثر هدوءًا فى ظاهرها، وأكثر عمقًا فى أثرها، حيث تكتب النتائج الحقيقية بعيدًا عن صوت المدافع.