في كل عيد، تتكرر لحظة ينتظرها الجميع، خاصة الأطفال لحظة العيدية، لكنها ليست مجرد نقود تُعطى، بل طقس يحمل في طياته تاريخًا طويلًا من العطاء والبهجة، يمتد بجذوره إلى أعماق الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت الهدايا رمزًا للحب والبركة. اقرأ أيضا | متحف الغردقة.. نافذة على تاريخ مصر وحضارتها من خلال 2000 قطعة أثرية نادرة لم تكن "العيدية" يومًا مجرد عادة حديثة، بل هي امتداد لروح إنسانية عريقة عرفها المصريون منذ آلاف السنين. ففي مصر القديمة، كان تقديم الهدايا خلال الأعياد والمناسبات الكبرى جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، حيث حرص الناس على تبادل العطايا التي تحمل معاني البركة والحماية. ومن بين أبرز هذه الهدايا، ظهرت التمائم المصنوعة من الفاينس الملون، مثل عين الأوجات والجعران وعمود الجد، والتي لم تكن مجرد زينة، بل رموزًا روحية يُعتقد أنها تجلب الحظ وتحمي صاحبها من الشرور، كما كان الأطفال ينالون نصيبهم من الحلوى والتمور، في مشهد يعكس اهتمام المجتمع بنشر السعادة بين الجميع. ولم تقتصر مظاهر العطاء على الأفراد فقط، بل امتدت إلى الدولة نفسها. فتكشف الأوستراكا، وهي الكسرات الفخارية المكتوبة، عن نظام إداري دقيق كان يمنح العمال مكافآت خاصة خلال الأعياد، شملت هذه العطايا حصصًا إضافية من الطعام، مثل اللحوم والزيوت الفاخرة، إلى جانب الملابس الكتانية، في صورة مبكرة لما يمكن اعتباره "عيدية" رسمية تعزز روح الانتماء والاحتفال. واليوم، تحتفظ قاعات المتحف المصري بالقاهرة بشواهد حية على تلك العادات، حيث تُعرض مجموعات مذهلة من التمائم وصناديق الحلي المصنوعة بإتقان من الخشب المطعم بالأبنوس والعاج، والتي كانت تُستخدم لحفظ الهدايا الثمينة، في دلالة على قيمة العطية ومكانتها. رغم تغير شكل العيدية عبر الزمن، من تمائم وهدايا رمزية إلى نقود تُقدم في أظرف أنيقة، يبقى معناها واحدًا، نشر الفرح وتعزيز الروابط الإنسانية، إنها عادة مصرية أصيلة، نمارسها اليوم كما مارسها أجدادنا، لنؤكد أن البهجة، إرث لا يندثر.