العيدية ليست مجرد نقود تُمنح في الأعياد، بل هي عادة اجتماعية ضاربة في جذور التاريخ المصري، تحكي قصصًا عن العطاء والفرح والتقاليد التي تناقلتها الأجيال. فمنذ أن قدمها الفاطميون في صورة دنانير ذهبية، مرورًا بالجامكية المملوكية التي كانت تمنح للجنود وكبار رجال الدولة، وحتى يومنا هذا، شهد مفهوم العيدية تطورات تعكس التغيرات الاقتصادية والثقافية عبر العصور. اقرأ أيضا| «من أيام الفراعنة».. حكاية «كحك العيد» المحشو بالدنانير الذهبية في "حكايات العيدية"، الذي يقدمه المتحف القومي للحضارة المصرية، نلقي الضوء على هذا التقليد الممتد من الماضي إلى الحاضر، ونستكشف كيف تطور من منح رسمي للطبقات الحاكمة إلى عادة محببة تحتفل بها العائلات في مختلف الأعياد. العيدية في العصر الفاطمي: هبة الخلفاء يرجع أصل العيدية إلى العصر الفاطمي، حيث كان الخلفاء يوزعون دنانير ذهبية وفضية على كبار رجال الدولة والعلماء ورجال الدين بمناسبة الأعياد. لم تكن هذه العطايا مجرد هدايا، بل كانت جزءًا من سياسة الدولة لإظهار سخائها وتعزيز الولاء بين أفراد المجتمع. كما كانت العيدية تُمنح للأطفال في شكل عملات صغيرة أو حلوى، مما زرع البهجة في نفوسهم ورسّخ هذه العادة في الوجدان الشعبي. العيدية في العصر المملوكي: "الجامكية" هدية السلطان مع انتقال الحكم إلى المماليك، أصبح منح العيدية تقليدًا رسميًا، لكنه اتخذ مسمى جديدًا هو "الجامكية". كانت تُوزع على الجنود وكبار المسؤولين على هيئة نقود أو أقمشة فاخرة أو حتى خيول، كنوع من المكافأة والتقدير لخدمتهم. في تلك الفترة، بدأت العيدية تأخذ شكلًا أكثر انتشارًا، حيث أصبحت تُمنح لعامة الناس، خاصة بين العائلات الثرية التي كانت تمنحها للأطفال والخدم كجزء من الاحتفال بالعيد. العيدية في العصر العثماني: انتشار العادة بين الناس في العصر العثماني، تحولت العيدية من كونها عادة مقصورة على السلطان والنخب إلى عادة اجتماعية منتشرة بين جميع طبقات المجتمع. بدأ الناس في منح العيدية للأطفال والخدم، وأصبحت عادة متوقعة في الأعياد، حيث يحرص الآباء والأجداد على توزيع مبالغ رمزية على الأطفال لإدخال الفرح إلى قلوبهم. العيدية في العصر الحديث: من النقود الورقية إلى الهدايا الرقمية اليوم، لم تعد العيدية مقتصرة على النقود المعدنية أو الورقية، بل تطورت لتأخذ أشكالًا متعددة، مثل التحويلات البنكية، البطاقات الإلكترونية، وحتى الهدايا التذكارية. كما باتت العيدية تُقدم بطرق مبتكرة، مثل تغليف النقود في مظاريف مزينة، أو تقديمها ضمن هدايا رمزية تحمل طابعًا شخصيًا. العيدية.. بين الماضي والحاضر على مر العصور، لم تفقد العيدية معناها الأساسي، فهي تعبير عن الفرحة والتقدير، سواء كانت دنانير ذهبية تُمنح من الخلفاء أو أوراقًا نقدية يقدمها الآباء والأجداد في الأعياد. وبينما تطورت أشكالها وأساليب تقديمها، بقيت العيدية جزءًا لا يتجزأ من الاحتفالات المصرية، تربط بين الأجيال وتضفي لمسة من السعادة على كل عيد. من دنانير المعز لدين الله الفاطمي إلى الجامكية المملوكية، ومن الهدايا السلطانية إلى التحويلات الرقمية، تستمر العيدية في التطور مع الزمن، لكنها تظل رمزًا ثابتًا للفرح والمشاركة. في "حكايات العيدية"، الذي يقدمه المتحف القومي للحضارة المصرية، يمكن للزوار اكتشاف كيف عبر المصريون عن فرحتهم بالأعياد منذ أقدم العصور، وكيف أصبحت هذه العادة جزءًا أصيلًا من هويتنا الثقافية.