أمانى عبدالرحيم مع استمرار الحرب الإيرانية، دخلت أسواق الطاقة العالمية فى اضطراب غير مسبوق، وبدأ «نزيف النفط». بعدما دفع تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذى يمر عبره خُمس تجارة النفط العالمية، عدة دول لسحب كميات ضخمة من احتياطياتها الاستراتيجية لتهدئة الأسواق وكبح جماح الأسعار. فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن تدفق أكثر من 400 مليون برميل نفط من الاحتياطيات التابعة لها للأسواق قريباً، موضحة أن المخزونات الموجودة لدى دول آسيا ومنطقة الأوقيانوس ستتاح على الفور، بينما ستتاح المخزونات فى أوروبا والأمريكتين بنهاية مارس. اقرأ أيضًا| الحرس الثوري الإيراني: الحرب ستنتهي عندما يتوقف شبح العدوان وأشارت إلى أن الجزء الأكبر من هذه الاحتياطيات، والبالغ 195.8 مليون برميل، يأتى من الدول الأعضاء فى الأمريكتين، كما تعهدت الدول الأعضاء فى آسيا والأوقيانوس بالمساهمة ب 108.6 مليون برميل، وتعهدت أوروبا بتقديم 107.5 مليون برميل. وتُعد عملية السحب هذه السادسة من المخزونات منذ إنشاء الوكالة ولكنها الأكبر فى تاريخها حيث يتجاوز ضعف الرقم الأعلى السابق الذى تم ضخه إبان الحرب الأوكرانية 2022 «182 مليون برميل». وتنسق الاقتصادات الغربية مخزوناتها النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية. ويحتفظ أعضاء الوكالة باحتياطيات تزيد على 1.800 مليار برميل. وفى الإطار أعلنت ألمانيا عزمها الإفراج عن جزء من احتياطياتها النفطية، استجابةً لمقترح وكالة الطاقة الدولية، مؤكدةً أنها ستساهم بنحو 2.4 مليون طن من مخزوناتها. وتتزامن المبادرة الألمانية مع قرارات مماثلة من النمسا واليابان. التى تعهدت بسحب كمية غير مسبوقة من احتياطاتها تبلغ 80 مليون برميل نفط، كذلك أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية الإفراج عن 172 مليون برميل نفط من الاحتياطى ضمن جهود خفض أسعار الطاقة بالتنسيق مع 32 دولة عضو فى وكالة الطاقة. وفى السياق، ناقش وزراء مالية دول مجموعة السبع الإفراج المشترك عن النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية بالتنسيق مع وكالة الطاقة، قبل أن يتفقوا على عدم السحب فى الوقت الحالى مع إبقاء الخيار مطروحا إذا تفاقمت التطورات. ومن جانبه أشار وزير الاقتصاد المجرى مارتون ناجى حظر بلاده تصدير النفط والبنزين والديزل، على خلفية ارتفاع الأسعار. والاحتياطى الاستراتيجى للنفط هو مخزون طوارئ تحتفظ به الدول لاستخدامه عند انقطاع الإمدادات بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الجيوسياسية. ولكن اللجوء إليه كما يقول الخبير أحمد طرطار يبقى خياراً مؤقتاً ومحدوداً، خاصةً وأن المخزونات العالمية وصلت بالفعل لأدنى مستوياتها فى 5 سنوات. بدوره، يرى مستشار الطاقة الدولى عامر الشوبكى أن كمية ال 400 مليون برميل المقترحة «بالكاد تكفى لتغطية 3 أسابيع» من الانقطاعات الناتجة عن الحرب. واعتبر الشوبكى اللجوء للمخزون الاستراتيجى «سلاح ذو حدين»، حيث يؤمن الطاقة، لكنه يقلص قدرة الدول على مواجهة الأزمات المستقبلية. واختتم بالإشارة إلى أن الإفراج عن كميات ضخمة قد يعطى «إشارة سلبية» للأسواق بأن الأزمة ستطول، ما قد يؤدى لارتدادات عكسية تزيد حدة التضخم بدلاً من كبحه. وفى الوقت نفسه، تواصل أسعار النفط ارتفاعها الحاد، وتشير تقديرات إلى أن سعر البرميل قد يكسر حاجز ال200 دولار إذا استمرت الحرب. ولن تقتصر آثار هذه القفزة السعرية على قطاع الطاقة، بل ستمتد للاقتصاد العالمى بأسره، إذ ستؤدى لموجة تضخم تضرب الاقتصادات الكبرى والناشئة، وترفع تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، ما قد يدفع العالم لتباطؤ اقتصادى واسع وركود. وبينما يحاول العالم امتصاص الصدمة عبر الاحتياطيات الاستراتيجية والبحث عن مصادر بديلة، يبقى الحل الأكثر استدامة مرتبطاً بوقف التصعيد العسكرى وعودة الاستقرار.