جاء الاجتماع الأخير للجنة العليا لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، قبل أقل من أسبوعين على انطلاق الدورة 15 والتى تنطلق 29 مارس الجارى، أشبه ب«بروفة نهائية» لاختبار جاهزية مهرجان لم يعد مجرد فعالية سينمائية، بل مشروع ثقافى يحمل رهانات رمزية تتجاوز حدود العروض إلى سؤال أعمق، هل ما زال المهرجان قادرًا على إنتاج معنى حقيقى وسط زحام المهرجانات؟ من حيث التوقيت، يكتسب اللقاء دلالته من انعقاده خلال الأيام الأخيرة من رمضان، وهى فترة غالبًا ما تتسم بالهدوء النسبى فى الحِراك الثقافى، ما يمنحه وظيفة مزدوجة، طمأنة داخلية للجنة المنظمة، ورسالة خارجية للوسط السينمائى بأن الأمور تسير وفق خطة محكمة، هذه «الطمأنة» لم تكن مجرد إجراء إدارى، بل ضرورة فى ظل تحديات متكررة تواجه المهرجانات المستقلة، من التمويل إلى التنظيم إلى القدرة على الاستمرار. حضور محمود حميدة وجابى خورى، منح الاجتماع ثقله، حيث مَثَّل وجودهما، شهادة ثقة فى جاهزية الدورة، وصف حميدة للدورة بأنها «استثنائية» يعكس طموحًا لتحويل المهرجان من منصة عرض إلى مساحة معرفة، وهو هدف مشروع لكنه يظل مرهونًا بمدى تحققه فعليًا. اللافت فى هذا الاجتماع، التركيز المكثف على اسم يوسف شاهين، ليس فقط كشخصية مُكرَّمة، بل كمحور فكرى للدورة تحت شعار «حدوتة مصرية»، هذا الاختيار يحمل بُعدين، الأول احتفائى، والثانى محاولة لاستعادة نموذج سينمائى مغاير فى زمن تهيمن فيه النزعة التجارية، غير أن هذا الرهان يطرح تساؤلًا نقديًا، هل الاكتفاء بالرمز يكفى لإحياء مشروعه، أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة قراءة جذرية لأفكاره داخل البرامج والندوات؟ الإعلان عن عرض فيلم نادر ليوسف شاهين، كما أشار جابى خورى، يمثل ورقة جذب ذكية، لكنه أيضًا اختبار لقدرة المهرجان على تقديم «قيمة مضافة» حقيقية، لا مجرد مفاجآت دعائية، فالمهرجانات الكبرى تُقاس اليوم بمدى قدرتها على إنتاج اكتشافات، لا استعادة كنوز فقط. على مستوى التنظيم، يظهر وعى واضح بأهمية التكريمات والتواجد الجماهيرى بالأقصر، إلى جانب السعى لتعزيز الشراكات مع الرعاة، وهى عناصر ضرورية لضمان الاستمرارية والتأثير، ومع ذلك، ظل الخطاب العام للاجتماع مائلًا إلى التفاؤل، وهو أمر مفهوم، لكنه يحتاج إلى توازن مع قدر من الصراحة النقدية. فى المجمل، يمثل هذا اللقاء، لحظة تثبيت للثقة قبل الانطلاق، ومحاولة لإعادة تعريف دور المهرجان كمنصة معرفة لا مجرد حدث فنى، ويبقى معيار النجاح الحقيقى فى قدرته على خلق أثر ممتد يتجاوز حدود العروض. الرهان قائم.. لكن الاختبار يبدأ مع أول عرض.