تظهر الحروب معادن الدول، إذا كانت صداقتها حقيقية أو مزيفة فى حرب إيرانوأمريكا، أظهرت إسبانيا أنها صديقة للحق والعدل والقانون الدولى. استمرارًا لموقفها من الحرب على غزة والشعب الفلسطينى، رفضت مشاركة أمريكا الحرب على إيران، أو السماح لها باستخدام قواعدها العسكرية، ورغم تعرضها لغضب أمريكى عارم وغاشم من ترامب، إلا أنها سحبت سفيرتها من إسرائيل وخفضت التمثيل الدبلوماسى. لم تكتفِ مدريد بعدم الانصياع لضغوط القوة العظمى، بل رفضت بوضوح المشاركة فى الحرب، فى موقف كان له وقع عميق أوروبيًا وعالميًا. رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز كتب مقالًا صحفيًا فى مجلة «الإيكونوميست» شرح فيه موقف بلاده، مستحضرًا دروس الماضى ورعب شن حروب بلا نهاية. ذكر كيف أن إسبانيا دفعت ثمن مشاركتها فى حروب سابقة. وبرر رفضها استخدام قواعدها بأنه يتماهى مع رغبة شعبها فى رفض الحرب وعدم تكرار أخطاء الأمس. اتخذت مدريد أيضًا خطوات دبلوماسية، فسحبت سفيرتها من تل أبيب بشكل دائم، مما يعكس عمق الخلاف مع إسرائيل التى اعتبرت الموقف الإسبانى تجاوزًا وتحاملًا غير مبرر. الخطوة الإسبانية أحدثت توترًا ترددت أصداؤه عبر القارات. فى واشنطن ولد شعور بالغضب، وترددت تحذيرات من تأثير القرار على العلاقات التجارية بين البلدين. لم يكن ذلك مجرد خلافات كلامية، بل تهديدات اقتصادية وجدل حول الاستراتيجية العالمية. ووسط ذلك، انقسم الاتحاد الأوروبى نفسه بين من يرى أن موقف مدريد يعبر عن إرادة شعبية تنبه ضمير أوروبا، ومن يرى فيه تحديًا غير مسبوق للسياسات التقليدية لحلف الأطلنطى. بيانات استطلاع الرأى تظهر أن أغلبية الإسبان يعارضون التدخل العسكرى، وهو ما شكل أساسًا قويًا لقرار الحكومة. قد يكون هذا العامل الداخلى فى حد ذاته أحد أسرار قوة إسبانيا فى اتخاذ موقف مختلف. تبقى إسبانيا قصة مواجهة غير تقليدية فى عالم يهيمن عليه الكبار، اعترضت تيارًا عظيمًا لمصلحة ترى فيها رفضًا للحروب غير المبررة ومطالبة بقراءة جديدة للسياسة التى لا تكون رهينة دومًا لتوازنات القوة القديمة.