د. محمد أبو الفتوح غنيم في الرابع من فبراير، لم يكن المشهد في ساحة كوليج دو فرانس في باريس مشهداً عابراً في دفتر الأيام؛ ولا يومًا كسائر الأيام؛ بل كان لحظةً فارقة في تاريخ مكانٍ لما يربو على مائةٍ وخمسين عامًا فقد أُزيل تمثال شامبليون، الذي صُوِّر واضعًا قدمه على رأس تمثال فرعوني، فانخلع من الساحة كما انخلع من ذاكرة المكان. وتعود القصة إلى عام 1875، عندما نحت الفنان الفرنسي أوغست بارتولدي Auguste Bartholdi تمثالًا من الرخام لعالم المصريات الفرنسي، جان فرانسوا شامبليون، الذي فكَّ رموز اللغة المصرية القديمة، فأتاح للعالم المعرفة بالحضارة المصرية القديمة وكشف غموضها، صوَّره الفنان واقفًا واضعًا قدمه اليسرى فوق رأس تمثال يُمثِّل أحد ملوك مصر القديمة، يُرجّح البعض أنه الملك تحتمس الثالث، أحد أعظم ملوك مصر القديمة، في وضعيةٍ رأى فيها الكثيرون إساءةً لا لملكٍ بعينه، بل لرمزية الحضارة المصرية ذاتها، بل وللفن أيضًا، فالعمل الفني، مهما بلغت جودته، يفقد شيئًا من قيمته إذا افتقد حساسيته الإنسانية. وإذا تحوّل الفن من رسالةٍ جماليةٍ إلى صورةٍ تُشعر الآخر بالإهانة أو الانتقاص، فقد بوصلته، فالفن جسرٌ للتلاقي، لا أداةٌ للهيمنة؛ وتعبيرٌ عن السمو، لا تكريسٌ للاستعلاء. ومن المفارقات أن بارتولدي هو ذاته مصمّم تمثال الحرية في نيويورك؛ فكيف اجتمع في يدٍ واحدة رمزٌ عالميٌّ للحرية، وتمثالٌ رأى فيه البعض صورةً من صور التفوق الثقافي؟ وإذا كانت الفكرة وراء هذا العمل الفني هي تخليد دور شامبليون في كشف لغز الكتابة المصرية القديمة، وتوثيق فضله على الآثار والحضارة المصرية القديمة، إلَّا أنّ التمثال الذي خُلِّد به لم يكن بريئاً من الرموز؛ فإن تصوير العالِم واضعاً قدمه على رأس تمثال فرعوني، تعدُّ صورةً بعيدةً عن المعنى، قريبة إلى الإهانة والتحقير، وبهذا فقد أساء الفنان إلى الفن، كما أساء إلى هذه الحضارة، وعظمتها، وفضلها على الانسانية، تلك الحضارة، التي كانت فجرًا للضمير الإنساني، وعلَّمت العالم معنى الأخلاق، والعدالة، كما علمتهم معنى البناء والهندسة والعمران، والفَلَك، والكيمياء، والزراعة والطب وغيرها من مجالات الحياة. شارك التمثال في المعرض العالمي لعام 1877 الذي كان يحتفي آنذاك بنهاية الحرب بين فرنسا وبروسيا (ألمانيا اليوم). وكان من المفترض في الأصل نقل التمثال إلى مسقط رأس شامبليون، لكن التمثال لم يجد الدعم المادي الكافي وظل منصوباً في باريس، حيث تمَّ عرضه في الحديقة المصرية «Parc Egyptian»، التي أُنشئت في أجواء الولع الأوروبي بمصر بعد حملة بونابرت وازدهار علم المصريات، في مدينة «بولوني-سور-مير» مسقط رأس عالم المصريات الفرنسي «أوجست مارييت»، وكانت هذه الحديقة ذات طابع مصري، حيث استُلهم تصميمها من الرموز المصرية، مثل: أعمدة ذات تيجان لوتسية، زخارف هيروغليفية، وعناصر معمارية تحاكي المعابد القديمة. وفي عام 1878، تمَّ وضع التمثال في موقعه، الذي نزع منه مؤخرًا، في ساحة كوليج دو فرانس Collège de France، أو الكلية الفرنسية في وسط باريس، وهي أحد أهم مراكز التعليم العالي بالعاصمة. أثار التمثال الجدل، بين المتخصصين في الآثار المصرية والجمهور العام، كما أثار حفيظة المصريين وحنقهم، وارتفعت أصوات مصرية تطالب باتخاذ إجراءات تدفع فرنسا لإزالة التمثال باعتباره يمثّل إهانة للحضارة المصرية. بينما رأى البعض، أنه طبقاً للثقافة الفرنسية، فإن التمثال يعبِّر عن انتصار المعرفة وتسيّد العلم. ومع انتهاء العصر الاستعماري، وتفجر النزعة الوطنية وارتفاع النبرة القومية، تعالت الأصوات التي تطالب برفع التمثال من موضعه، إلا أنها كانت أصوات فردية، وتفتقر إلى الجدية، والفاعلية، والتأثير، ثم توالت موجات المطالبة بإزالة التمثال، فكانت موجة مطالبة الجالية المصرية في فرنسا عام 2011، ثم كانت الموجة الثانية في عام 2013، عندما أرسل بعض علماء الآثار المصريين عريضة إلى وزارتي الخارجية والآثار يدينون فيها التمثال باعتباره ازدراءً للحضارة المصرية. واكب ذلك أن هددت عدد من المنظمات المصرية والحركات الشبابية بفرنسا بالتصعيد الدولي وتنظيم وقفات احتجاجيه، الأمر الذي أثار أزمة بين المصريين والحكومة الفرنسية، حيث اعتبره المصريون بمثابة تعدٍ على حضارة مصر الفرعونية وإهانة لكل مصري بأوروبا. وكانت الموجة الثالثة لإزالة التمثال شامبليون منذ عام 2017 وحتى عام 2020، في أعقاب حركات احتجاج عالمية ضد رموز التمييز والعنصرية، حيث زادت الدعوات لإعادة فحص تماثيل وشخصيات تاريخية تُعتبر مسيئة، حتى لو كانت لأشخاص لهم إسهامات علمية. وقد استخدمت هذه الحركات كفرصة لمطالبة فرنسا بحذف التمثال من الساحة العامة. ولقد قابل هذه كله إصرار فرنسي على بقاء التمثال، بحجة أن التمثال يُعد تكريمًا لإنجاز شامبليون، ويُنظر إليه كعمل فني من القرن التاسع عشر في سياقه التاريخي وأن الجدال حول التمثال لا يتعلق بالعنصرية بقدر ما يتعلق بكيفية تفسير مثال فني تاريخي وفق معايير العصر الحديث؛ أي أن النقد يجب أن يكون فهمًا تاريخيًا وليس مجرد إلغاء أعمال من الماضي، حتى أن السفير الفرنسي في القاهرة «ستيفان روماتييه» قد ذكر في مؤتمر رسمي حضره وزيرا الآثار والثقافة المصرييَّن عام 2019، أن «تمثال شامبليون لن يُزال، فهو يعبر عن الروابط المصرية بفرنسا وهو هناك منذ 120 عاما، وسيظل 120 عاما دليلًا على المناخ الثقافي". وهكذاانقسمت الأصوات: فريقٌ رأى في الإزالة تصحيحاً لصورةٍ لا تليق بعصرٍ يراجع إرثه بعينٍ ناقدة، ويُعيد النظر في تمثلات القوة والمعرفة. وفريقٌ آخر عدّها محاكمةً للتاريخ بمنطق الحاضر، وطمساً لرمزٍ علميٍّ لا يُنكر فضله في خدمة الإنسانية. واستمرت المساعي الدبلوماسية، التي قامت بها سفارة مصر في باريس، على مدار السنوات الماضية لحث السلطات الفرنسية على إزالة التمثال، أو على أقل تقدير نقله لمكان آخر حفاظا على شعور الرأي العام المصري، إلا أن كل هذه المساعي لم تُكلل بالنجاح لأسباب متعددة، أبرزها تأكيد المسؤولين الفرنسيين بكل مناسبة أن هذا التمثال لا يمثِّل أي إهانة لمصر، وأن هناك سوء فهم للمعنى الحقيقي للتمثال، لاسيما أن النحات الفرنسي أوجست بارتوديلي مُصمم التمثال يُعد من أشد المعجبين بمصر وبشعبها وبحضارتها العريقة وفقا لمذكراته الشخصية. وفي مرحلة لاحقة، اقترح السفير المصري في فرنسا لمسؤولين فرنسيين بوضع وصف كتابي على التمثال يفسر المعنى الصحيح له، ويعكس التقدير والاحترام للحضارة المصرية، مع اقتباسات من الوثائق الخاصة بالنحات الفرنسي شخصيًا، التي يعتز فيها بالحضارة المصرية القديمة، مشيرا إلى أن ذلك قد يساهم بتهدئة غضب واستياء الشارع المصري من التمثال. وقد رحب المسؤولون بذلك، حيث قامت المؤسسة الفرنسية بصياغة النص الذي سيتم وضعه على التمثال. وبناءً على المطالبات المتكرّرة بإزالة التمثال من ساحة الكلية باعتباره يمثل إهانة لرموز الحضارة المصرية ويُسيء إلى صورة الثقافة المصرية العريقة، أعلنت كلية كوليج دو فرانس في 4 فبراير 2026 عن إزالة التمثال من مكانه في ساحة الكلية، كاستجابة جزئية لهذه الانتقادات وأيضًا في سياق إعادة تقييم كيفية عرض الأعمال التاريخية في الأماكن العامة. في المشهد شيءٌ من المفارقة، فشامبليون الذي أنصف الحضارة المصرية بإحياء لغتها، يُنتقد تمثاله لأنه بدا كأنه يختزلها تحت قدمه. كأن التاريخ يُعلّمنا أن المعرفة، إن لم تُصاحبها حساسيةٌ أخلاقيةٌ قد تتحول من نور إلى ظلام، وأنَّ التماثيل ليست مجرد كتلٍ من الأحجار أو المعادن صامتة؛ بل سردياتٌ متجسدة وفنون معبّرة. وإذا تغيّر الوعي بها، تغيّرت القراءة لها، ويبقى الفن- حين يسمو- لغةً للإنصاف لا للانقسام، وجسرًا للحوار لا سيفًا للخصام. لقد أُزيل التمثال، لكن الأسئلة باقية: كيف نوازن بين الاعتراف بالإنجاز العلمي، وصون كرامة الرموز الحضارية للشعوب؟ وكيف نصوغ ذاكرةً مشتركة لا تُقصي، ولا تُهيمن، ولا تُنكر الفضل؟