فى كل عام، ومع حلول يوم الشهيد، تعود سيرة الفريق عبد المنعم رياض لتتردد فى الذاكرة الوطنية، ليس فقط كقائد عسكرى بارز، بل كإنسان عاش لوطنه حتى اللحظة الأخيرة وبين صفحات تلك السيرة، تفتح د.عزة الخولي، أستاذ الأدب الإنجليزى بجامعة الإسكندرية «ابنة شقيقة البطل» نافذة خاصة على جوانب أقل ظهورًا فى حياة خالها، مستعيدة فى حوارها مع جريدة «الأخبار» ملامح القائد الذى جمع بين الصرامة العسكرية والثقافة الواسعة، وبين شغف القراءة والموسيقى، وحب الرياضة والانضباط. حكايات ترويها ابنة شقيقته بامتنان وفخر، لتكشف جانبًا إنسانيًا من حياة بطل ظل اسمه محفورًا بأحرف من نور فى وجدان المصريين. اقرأ أيضًا | من رياض للمنسى.. شهيد ب«يسلم» شهيد د.عزة الخولي، أستاذ بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ابنة شقيقة الشهيد عبد المنعم رياض تتحدث عن محطات فى حياة البطل، حيث أبدت ابنة شقيقة الشهيد عبدالمنعم رياض سعادتها البالغة باهتمام الدولة بإحياء يوم الشهيد، مؤكدة أن هذا اليوم يحمل دلالة خاصة كونه يخلد ذكرى استشهاد الفريق البطل وسط جنوده، وهى ذكرى تملؤها مشاعر الفخر والاعتزاز بتضحيات الشهداء. وأشارت إلى أن الشهيد عبدالمنعم رياض كان نموذجًا متكاملًا للوطنية الصادقة، إذ جسّد حب الوطن فى أنقى صوره، وكان إنسانًا عظيمًا بكل المقاييس، عاشقًا لمصر حتى آخر لحظة فى حياته. وأضافت أن الفريق رياض لم يكن عسكريًا فقط، بل كان مثقفًا واسع الاطلاع، شغوفًا بالقراءة والموسيقى، خاصة أعمال الفنانة أم كلثوم، كما كان مهتمًا بالرياضة ويتمتع بلياقة بدنية عالية. هل تتمنى عائلة الشهيد عبدالمنعم رياض تقديم عمل درامى عن سيرته؟ بالطبع نتمنى ذلك، لكن المؤسف أنه رغم مرور كل هذه السنوات لم يتبنَّ أحد هذا المشروع. ومع ذلك، فإن الشهيد نال تقدير الشعب، فلا تكاد توجد مدينة من الإسكندرية إلى أسوان إلا وتحمل اسمه فى ميدان أو مدرسة أو شارع أو طريق. نحن نعتز باستشهاده على الجبهة، فقد كان رمزًا خالدًا للبطولة والتضحية، وعلّمنا أن الوطن أغلى من أى شخص، وأن مصر بالنسبة له كانت قيمة مقدسة. وأوضحت أنه لم يكن محبًا للمظاهر أو الحراسة المشددة، ولا تنسى حتى الآن مشهد جنازته التى كانت شعبية بامتياز، وليست عسكرية فقط. فقد جاءت فى وقت كانت البلاد تعيش آثار نكسة قاسية، ورأى الشعب استشهاد رئيس الأركان على الجبهة حدثًا استثنائيًا، امتزجت فيه مشاعر الحزن بالفخر والاعتزاز. وقررت الدولة فى عام 1969 اعتبار يوم 9 مارس يومًا للشهيد، ولم يأتِ هذا القرار من فراغ، بل كان أقل ما يمكن تقديمه تخليدًا لليوم الذى استشهد فيه الفريق البطل عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذى ضرب أروع الأمثلة فى التضحية والفداء باستشهاده وسط جنوده. حدثينا عن الشهيد الفريق عبدالمنعم رياض؟ ولد فى 22 أكتوبر 1919 بقرية سبرباى التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، وتنحدر أسرته فى الأصل من الفيوم، حيث كان جده عبدالله طه على الرزيقى من أعيانها أما والده، القائم مقام محمد رياض عبدالله، فكان قائد بلوكات الطلبة بالكلية الحربية، وتخرج على يديه عدد كبير من قادة الجيش. توفى والده فى سن مبكرة، تاركًا ستة أبناء، تولت والدتهم رعايتهم وتعليمهم حتى التحقوا بالجامعة وكان شقيقه محمود قد التحق بكلية الطب، وكذلك شقيقته، وكانت الأم تتمنى أن يسير عبدالمنعم على النهج ذاته، وبالفعل التحق بكلية الطب لفترة قصيرة، لكنه كان شغوفًا بالحياة العسكرية، فالتحق بالكلية الحربية وتخرج فيها، ثم أوفد فى بعثة إلى إنجلترا لدراسة المدفعية الملكية، وحصل على المركز الأول على دفعته. وعقب عودته، استكمل مسيرته العسكرية، وأتقن عدة لغات من بينها الروسية بطلاقة، إضافة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وهو ما جعله مكلفًا بالعديد من مهام التفاوض مع الاتحاد السوفيتى آنذاك. وما أبرز سماته الشخصية التى لا نعرفها عنه؟ كان الفريق عبدالمنعم رياض مرتبطا جداً بأسرته.. وكان يقضى معنا أوقاتاً كثيرة فى الإسكندرية.. كان يحرص على الترابط الأسرى ويستمع للموسيقى الكلاسيك أو أغانى أم كلثوم. وكان يتسم بتواضع شديد ولم يعرف عنه التعالى إطلاقًا، وكان محبوبًا بين صفوف الجنود داخل القوات المسلحة، إذ ظل منشغلًا دومًا بقضايا الوطن والاستعداد للمعركة. وأوضحت أن الشهداء لا يعرفون الخوف، فرغم أن الخوف شعور إنسانى طبيعي، إلا أنهم يتجاوزونه حين يضعون هدفًا وطنيًا أسمى، مقدمين مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية وغريزة البقاء. الفريق رياض كان يتحدث أربع لغات بطلاقة، وهو ما يعكس مستوى ثقافيًا وفكريًا رفيعًا، كما تميز كلاهما بروح المبادرة، ودراسة أى مهمة قبل تنفيذها، والبحث عن بدائل وحلول للمشكلات، والحرص على التعلم المستمر إلى أقصى مدى، وبذل أقصى الجهد لأداء الواجب الوطنى على أكمل وجه. وكان دائم التواجد على جبهة القتال وسط الجنود وكان يحرص على تناول الطعام مع الجنود.. وقام بعمليات استطلاع بنفسه فى أحيان كثيرة وهو رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية. أين كان يقيم ومع من؟ كان يقيم فى منزل الأسرة بمصر الجديدة، وعاش مع شقيقه الأصغر وشقيقته التى كانت أستاذة بكلية البنات، وبعد وفاة والدته ثم شقيقه الأصغر، استمر فى الإقامة مع شقيقته حتى يوم استشهاده. ماذا تتذكرين عن يوم استشهاده؟ كنت فى التاسعة من عمرى وقت استشهاده، ولا تزال تفاصيل ذلك اليوم عالقة بذاكرتي. كنا فى الإسكندرية مع والدتى وشقيقتي، بينما كان والدى مسافرًا خارج البلاد، وتلقينا اتصالًا فى منتصف الليل يفيد بإصابته على الجبهة وضرورة التوجه إلى القاهرة. وأثناء الطريق، تم إبلاغ والدتى بنبأ استشهاده. عند وصولنا إلى منزل الأسرة، كان المشهد مؤثرًا للغاية، الشارع ممتلئ بالسيارات والمواطنين، والجنود المكلفون بالحراسة يبكون بحرقة، وهو ما أكد لى كطفلة أنه قد نال الشهادة. داخل المنزل كان البكاء يعم المكان، وأقمنا بعدها ثلاثة أيام فى منزل أحد الأقارب لتلقى العزاء. من شارك فى جنازته؟ شارك فى الجنازة جميع أطياف الشعب المصري، وكانت جنازة مهيبة، حضرها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وكبار رجال الدولة، والملك حسين ملك الأردن، إضافة إلى مسئول رفيع من المغرب. كما حضر الملك حسين بنفسه إلى منزلنا لتقديم العزاء، نظرًا للعلاقة الوثيقة التى جمعته بالشهيد خلال عمله على الجبهة الأردنية. لماذا اختاره عبدالناصر رئيسًا للأركان بعد النكسة؟ لأن عبدالناصر كان يدرك جيدًا كفاءة عبدالمنعم رياض وإنجازاته، ويعلم مدى إخلاصه لمصر وتخصصه الدقيق فى العلوم العسكرية، فضلًا عن مكانته المتميزة لدى الاتحاد السوفيتي، الذى أطلق عليه لقب «الجنرال الذهبي» وكانت مصر آنذاك فى أمسّ الحاجة إلى قائد محترف يعيد بناء القوات المسلحة. ما أبرز سماته القيادية؟ كان قائدًا ميدانيًا بامتياز، يتواجد دائمًا بين جنوده فى الصفوف الأمامية، واستشهد وهو يؤدى هذا الدور وكان يؤمن بأن القادة الحقيقيين لا تصنعهم المكاتب، بل ساحات القتال وقد رثاه كبار الشعراء، منهم نزار قبانى وأحمد فؤاد نجم كما حرص على دراسة الاقتصاد فالتحق بكلية التجارة أثناء خدمته، إيمانًا منه بأن القائد العسكرى يجب أن يكون ملمًا بالجوانب الاقتصادية. هل حصل على التكريم الذى يستحقه؟ القوات المسلحة تحرص على إحياء ذكرى استشهاده سنويًا فى احتفال رسمى كبير، وهو ما نعتز به كثيرًا. فقد استشهد دون أن يملك شيئًا من متاع الدنيا، لا عقارات ولا أراضى، بل ترك سيرة طيبة وسمعة ناصعة. كلمة للأجيال الجديدة؟ هناك أجيال للأسف لا تعرف من هو الفريق عبدالمنعم رياض.. وأتمنى أن يتم تدريس سيرته فى المناهج التعليمية، مع تسليط الضوء على دوره فى حرب الاستنزاف، وجهوده الكبرى فى إعداد وبناء الجيش الذى خاض حرب أكتوبر 1973، بعدما تولى رئاسة الأركان.. حيث كان مسئولاً عن حرب الاستنزاف، حيث كان رئيساً لأركان القوات المسلحة المصرية بعد نكسة يونيو 67، وكل معارك الاستنزاف الناجحة كان له يد فى التخطيط لها. كما أننا يجب أن نحاور الأجيال الجديدة بلغتها هي، وأن نعمل على بث الروح الوطنية وحب البلاد من خلال الأدوات الحديثة، فلم تعد المسلسلات والأفلام تؤثر فى الأجيال الجديدة، يجب علينا نحن أن نوجد مساحة حوار مشتركة من خلال التحدث بلغتهم هم لأنهم مستقبل مصر.