طارق فهمى تشهد إسرائيل حالة من الجدال السياسى والاستراتيجى بعد توجيه الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران بسبب سعيها لحسم ملف إيران فى أسرع وقت ممكن وهو أمر ليس سهلا فى ظل المشهد الراهن وتمسك إيران بالدخول فى مواجهة مفتوحة برغم التكلفة العالية التى تدفعها وحجم التضرر الكبير التى تتعرض له وإن كانت تسعى إيران لتوجيه رسائل رمزية بالقدرة على الصمود والتحدى، خاصة أن إيران باتت تحارب حربين حرب عسكرية وحرب عقائدية ما قد يؤدى الى حالة من انفتاح المشهد على سيناريوهات عدة والأخطر أن يستمر المشهد الحالى لمدة أطول، أو بمعنى أن تتمدد العمليات العسكرية وينفتح المشهد العسكرى وهو ما قد يدفع الولاياتالمتحدة لمراجعة مجمل حساباتها السياسية وفق ما تم إنجازه عسكريا خاصة أنه لا توجد مؤشرات على أن القيادات الراهنة بعيدا عن مسألة اختيار المرشد الجديد ستستطيع أن تحسم الأمر فى ظل حالة الفوضى الراهنة فى الداخل الإيرانى واحتمال أن سنقسم المشهد وإن كان ذلك غير وارد فى ظل ما يجرى وعدم حدوث أية انقسامات حتى الآن ما يعطى الفرصة الحقيقية للتعامل بدليل أنه لم تحدث انشقاقات داخل الحرس الثورى كما لا تزال الضربات توجه لإيران ومن غير الواضح ما الذى تم بالفعل على الأرض وأين ذهب اليورانيوم المخصب وهل استهدفت بعض المنشآت النووية وإذا تم لماذا لم يحدث أى تسرب إشعاعى وعشرات من الاستفسارات المطروحة.. فى خضم ما يجرى فإن إسرائيل باتت تعمل وفق استراتيجية الردع الاستباقى والانتقال من أهدافها الكبرى وإزالة الخطر الوجودى إلى التعامل فى سياق من الأهداف الرئيسة الأخرى مع التركيز على استراتيجية استخباراتية وتوفير المعلومات للجانب الأمريكى والعمل على قتل أكبر عدد من الشخصيات التقنية والعسكرية وهو أمر يدل على قدرة إسرائيل على الوصول إلى أهدافها، خاصة أن نجاحها فى اختراق إيران من الداخل منذ سنوات فى إطار حرب الظل يعطى لها تقدما استباقيا فى التعامل الراهن بل ومواجهة كافة الخيارات الأخرى ومن ثم فإن إسرائيل ستتحرك فى إطار عدة أهداف واضحة الاعتماد على الدعم الأمريكى الراهن والشراكة فى تنفيذ الأهداف مع التحسب لأى مواقف محتملة من الإدارة الأمريكية أو حدوث ضغوطات من الداخل الأمريكى لمحاولة اختصار الأهداف الراهنة والانتقال إلى دوائر سياسية وتفاوض مفتوح على ما يمكن للولايات المتحدة التعامل فى تفاصيله ما قد يؤدى إلى نتائج ملموسة ومهمة بالنسبة لإسرائيل التى تتعامل مع الخطر الإيرانى الراهن على أنه خطر وجودى وتبنى فى هذا الأمر مقاربة سياسية وعسكرية لأمن المنطقة بأكمله ولإسرائيل من الداخل التى تتعرض ولا تزال لضربات إيرانية ما قد يؤثر على مكانة إسرائيل وتآكل مفهوم الردع والقدرة على المواجهة، خاصة أن إسرائيل باتت تركز على العمل الاستخباراتى بالأساس والضربات من أعلى من خلال سلاح الجو ودون الوصول إلى الداخل الإيرانى بصورة مكثفة أو العمل على الأرض برغم أن الموساد ومنذ سنوات نجح فى التوصل إلى أدق المعلومات، بل وقام بعمليات تخريب لبعض المنشآت النووية وحصل على وثائق ومستندات إضافة للقيام بعمليات تصفيات لعدد كبير من العلماء الإيرانيين ما يشير إلى أن إسرائيل تعمل فى مساحات متسعة بل ورحبة من أجل التوصل للهدف الرئيسى وهو محو الخطر الإيرانى بصورة شاملة وعدم القبول بأنصاف الحلول أو أشباه السيناريوهات التى قد تقدم عليها الولاياتالمتحدة حال إنجاز العمل العسكرى ولو امتد إلى بعض الوقت مع تخوف الإدارة الأمريكية إلى الذهاب إلى عمل عسكرى مفتوح على مصراعيه ما قد يعطى دلالات على أن الحرب ستستمر وما قد يكلف إسرائيل الكثير من التبعات.. تسعى إسرائيل إذًا إلى بناء مقاربة منضبطة والاعتماد على استراتيجية الردع المقابل وعدم ذهاب إيران إلى تهديد العمل الإسرائيلى وهو أمر لن يتضح بالفعل إلا بعد مرور بعض الوقت الذى يمكن الحكم عليه فى ظل احتمالات إقدام إيران على تغيير أهدافها والانتقال إلى خيارات مستبعدة ومنها على سبيل المثال ضرب المفاعل النووى فى ديمونة أو استهداف مقرات أمنية وعسكرية مهمة وهو خيار وارد ما قد يؤدى إلى تداعيات كبيرة على الداخل الإسرائيلى الذى ما زال يتذكر مواجهات غزة والتى تجاوزت عامين وعدة أشهر ما قد يؤثر على قرار الحكومة الإسرائيلية فى التعامل أو على الأقل الوقوع تحت ضغوطات حقيقية ما قد يغير قواعد التعامل وفى ظل احتمالات تطور العمليات العسكرية إلى مرحلة تالية من المواجهات ما يؤكد على استمرارية الخطر الإيرانى .. فى إطار ما يجرى ومتوقع فإن إسرائيل تواجه خيارات صعبة بالفعل وما تسعى إليه من تحقيق القدرة على الرد المطلق لن يحدث فى ظل قيود الحركة الإسرائيلية للتعامل ومساحة إسرائيل الراهنة وعدم وجود عمق استراتيجى بالفعل يمكن توظيفه فى استمرار المواجهات أو على الأقل العمل على مسارات متعددة أهمها إنهاء الخطر الإيرانى ولو مرحليا وعدم السماح للخروج من هذه المواجهة واحتفاظها بمقدراتها العسكرية والنووية ولهذا فإن استراتيجية الردع ستتآكل إذا ذهبت إسرائيل للتركيز على جبهة حزب الله واحتمال انفتاح مشهد جبهة الحوثى ما قد يذهب إسرائيل إلى ترك المواجهات الراهنة للولايات المتحدة وبما قد يساهم فى التركيز على وسائل محددة ومسارح عمليات للجوار الإقليمى القريب والبعيد الأمر الذى قد يؤثر على توجهات الولاياتالمتحدة ومدى استمرارها فى توجيه الضربات على إيران وتحويل ما يجرى إلى عملية عسكرية شاملة وليس مجرد ضربات ولعل ذلك الأمر سيحسم داخل الكونجرس ومؤسسات صنع القرار الفيدرالية والتى سيكون لها موقف بصرف النظر عن حجم التأييد الراهن للرئيس الأمريكى ترامب. تتخوف إذا اسرائيل من تبعات ما سيجرى ولن يكون لاستراتيجية الردع أى فعالية إذا ذهبت إيران فى خياراتها للاستمرار فى استهداف الضربات على إسرائيل ما يؤثر بالفعل على قدرة إسرائيل فى التعامل أو على الأقل فى الاستباق فى المواجهة مع إيران والتى ستظل مرتهنة بسلوك إيرانى ما زال مصمما على التعامل برغم كل الخسائر التى يتعرض لها وباعتبارها معركة مصيرية.