على وقع طبول الحرب التى قرعت أمس فى قلب الشرق الأوسط، تقف المنطقة فوق فوهة بركان لا يمكن التنبؤ بمدى انفجاره فبينما تحلق المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية فى سماء طهران، وتتوالى الرشقات الصاروخية الإيرانية مستهدفة القواعد الأمريكية فى البحرين وأبو ظبى والرياض والكويت دخلت المنطقة فى نفق «ال 96 ساعة الحرجة» هى مهلة الأربعة أيام التى حددتها الولاياتالمتحدة وتل أبيب لإنهاء مهمة «إسقاط» النظام الإيرانى أو إجباره على قبول شروطه بوقف التخصيب ومنع امتلاكه أسلحة نووية. لكن الواقع الميدانى الذى يتسارع لحظة بلحظة يطرح سؤالاً مصيرياً هل تظل المواجهة «حرباً محددة» كما خططت لها واشنطن وتل أبيب، أم تنزلق إلى حريق إقليمى شامل؟ .. «الأخبار» استعرضت سيناريوهات المواجهة الراهنة من منظور عسكرى واستراتيجى، فى البداية يرى اللواء طيار د.هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن ما يشهده الإقليم اليوم هو استمرار متوقع لجولة ثانية من الصراع بين إسرائيل والولاياتالمتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، موضحاً أن هذا الصراع قد يستمر لعدة أيام أو أسابيع حيث تتوقف ملامحه الميدانية على قدرة الصواريخ الإيرانية بمختلف أنواعها على الوصول إلى أهداف داخل عمق إسرائيل أو استهداف القواعد الأمريكية القريبة فى المنطقة، وهو الرد الذى بدأت طهران فى تنفيذه بالفعل مستغلة قرب المديات. اقرأ أيضًا| إعلام عبري: العثور على جثمان المرشد الإيراني وإخراجه من أنقاض مجمع طهران ويرى اللواء الحلبى ضرورة الدقة فى توصيف المشهد فما يحدث هو «حرب محددة الأطراف» وليست حرباً إقليمية بمعناها الشامل، مبرراً ذلك بأن دول الإقليم لا ترغب فى الانخراط فى الحرب وأن مصر والدول العربية بذلت جهوداً مضنية لتحريك المشهد نحو التفاوض، إلا أن النية لدى واشنطن وتل أبيب كانت معقودة مسبقاً على اللجوء للعمل العسكرى عند نقطة معينة. وأشار إلى أن الحوثيين قد ينخرطون بضربات محدودة تؤثر على الإقليم لكنها تظل ضمن إطار التنسيق مع إيران، فى حين استبعد قيام «حزب الله» بأدوار مؤثرة نظراً لتدمير إمكانياته بشكل كبير فى فترات سابقة. وحول سيناريوهات التصعيد يتوقع الحلبى زيادة كثافة الضربات الأمريكية - الإسرائيلية باستخدام طائرات (B-2) و(B-52) وصواريخ بعيدة المدى لضرب أهداف داخل العمق الإيرانى، مع التركيز على استمرار استهداف القيادات والمنشآت النووية ومنظومات الصواريخ وحول مدى القدرة على إنهاء الطموح النووى الإيرانى عسكرياً وبضربات جوية تحفظ الحلبى على مصطلح «القضاء»، مؤكداً أن الضربات الجوية لن تستطيع القضاء التام على البرنامج النووى أو منظومات الصواريخ الباليستية المنتشرة على رقعة واسعة، بل سينحصر الأثر فى «تقليص» الإمكانيات وتعطيل البرنامج النووى وتأخيره، مشدداً على أن «التقليص بشكل كبير» هو الوصف الأدق للمرحلة. وعن دعوة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للإيرانيين لاستعادة بلادهم، وإسقاط النظام أوضح اللواء الحلبى أن تلك هى «أمنيات» الإدارة الأمريكية التى تحاول استهداف رموز سياسية ومقرات الحكم لتحقيق هذا الغرض، لكنه استبعد تماماً سقوط النظام بهذا الأسلوب نظراً لحدوث حالة من الالتفاف الداخلى فى المجتمع الإيرانى وقت الأزمات، فضلاً عن سيطرة الحرس الثورى على كافة مفاصل الدولة، مما يجعل سيناريو إسقاط النظام من الداخل أمراً بعيد المنال وصعباً للغاية فى ظل المعطيات الراهنة. أما اللواء سمير فرج الخبير العسكرى والاستراتيجى فيرى أن الساعات القادمة هى التى ستحدد ما إذا كانت المنطقة بصدد «ضربة خاطفة» أم «حرب إقليمية شاملة». أشار اللواء فرج إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، أعلن رغبته فى أن تستمر هذه العملية لمدة أربعة أيام فقط، بهدف توجيه «ضربات محددة» قوية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة إلا أن الواقع الميدانى يشير إلى عكس ذلك؛ حيث بدأت إيران بالفعل بتوسيع دائرة الرد عبر استهداف القواعد الأمريكية فى المنطقة، بما فى ذلك ضربات طالت أهدافاً فى البحرين ودبى. وحول التصريحات الأمريكية والإسرائيلية التى تروج لإسقاط النظام الإيرانى، قال اللواء سمير فرج: «لا يوجد نظام يسقط بالضربات الجوية والصواريخ عبر التاريخ. تغيير النظام يتطلب غزوًا بريًا وتواجد قوات داخل البلاد، وهو أمر لا تقوى عليه واشنطن أو تل أبيب حالياً». وأضاف أن المراهنة على «الاحتقان الداخلي» الإيرانى قد ترتد عكسيا فالتاريخ يثبت أن الشعوب تلتف حول حكوماتها فى لحظات القصف والعدوان الخارجى، وتؤجل حساباتها الداخلية لما بعد الحرب. وعن قراءته للمشهد العسكرى المتفجر، يرى اللواء سمير فرج أن المنطقة تتجه بالفعل نحو صراع واسع قد يتحول إلى حرب إقليمية شاملة تشمل الأطراف الفاعلة والولاياتالمتحدة، مشيراً إلى أن الرهان الإسرائيلى الذى أعلنه بنيامين نتنياهو بأن الضربة ستستمر لأربعة أيام فقط هو رهان محفوف بالمخاطر ولا يضمن عدم التوسع، خاصة مع بدء إيران فى استهداف القواعد الأمريكية فى المنطقة والخليج وصولاً إلى البحرين ودبى والرياض والكويت، وهو ما يعكس تحقق مخاوف رئيس الأركان الأمريكى الذى كان رافضاً لهذه الضربة رغم النفى الرسمى الصادر عن ترامب. ويحلل اللواء فرج سيناريوهات المواجهة مؤكداً أن التصعيد العسكرى يظل رهناً بالموقف الميدانى، فإيران التى تميل عادة لضبط إيقاع ضرباتها قد تضطر لتطوير عملياتها وزيادة حدتها إذا ما اشتد الخناق عليها فى الداخل، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدخل أطراف أخرى كالحوثيين الذين يمثل دخولهم على الخط وإغلاق مضيق هرمز مشكلة كبرى ستؤثر على استقرار المنطقة بأكملها بما فيها مصر، معتبراً أن استهداف القواعد العسكرية داخل الدول العربية يمثل ضغطاً مباشراً على أمن تلك الدول وسيادتها. وفيما يتعلق بالخرق الأمنى، يرى فرج أن وصول الضربات للعمق واستهداف القيادات يثبت وجود تغلغل واختراق استخباراتى عميق داخل إيران، وهو امتداد لنجاحات سابقة لإسرائيل، إلا أن نتائج هذه الجولة لم تتضح معالمها النهائية بعد فى ساعاتها الأولى، مستبعداً فى الوقت ذاته دخول قوى كبرى مثل الصين أو روسيا فى مواجهة مباشرة، نظراً لحرص الصين على استقرارها الاقتصادى وتجنب الانخراط فى حروب قد تعطل مسارها العالمى، ليظل الهدف الحقيقى من وجهة نظره هو إضعاف إيران وإجبارها على القبول بالشروط الثلاثة: منع السلاح النووى، ووقف الصواريخ الباليستية، وتحجيم النفوذ الإقليمى.