تحولت الدواجن من سلعة استراتيجية تمثل الملاذ الأخير لبروتين الطبقة المتوسطة والفقيرة إلى ساحة للمضاربات والأرباح الفاحشة، لم تكن الأزمة مجرد عرض وطلب، بل نستطيع أن نصفها بالإرهاب الاقتصادي الذي مارسته مجموعة من المحتكرين. ومع قرار إحالة أباطرة هذا القطاع إلى المحاكمة الجنائية بدأت ملامح عهد جديد في الرقابة عهد لا يكتفي بالشجب بل يضرب بيد من حديد إيمانا بأن الاحتكار في السلع الأساسية ليس مجرد مخالفة تجارية بل هو عدوان مباشر على حق الإنسان في الحياة الكريمة. فلطالما كانت الممارسات الاحتكارية تُعالج بالمسكنات أو الغرامات التي يدفعها التاجر من فكة أرباحه الحرام لكن تحويل ملف محتكري الفراخ إلى المحاكمة الجنائية يمثل نقطة تحول استراتيجية. الأجهزة الرقابية وعلى رأسها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لم تعد تتحرك بناءً على تكهنات بل عبر متابعة إلكترونية دقيقة وتحقيقات ميدانية أثبتت وجود اتفاقات بين هؤلاء المحتكرين تهدف لتثبيت سعر التنفيذ بعيدًا عن آليات السوق الحقيقية. أو كما قالت النيابة العامة في بيانها؛ إن التحليل الفني أثبت وجود اتفاق وثيق وقوي في تحديد سعر البيع سواء بالتثبيت أو الرفع أو التخفيض بالمخالفة للقانون للتأثير في أليات العرض والطلب لدى المستهلكين. هناك نقطة في بيان النيابة العامة ينبغي أن نتوقف عندها وهى؛ إشادة النيابة بدور جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية من خلال إعداد الدراسات والتحليلات المتخصصة التي تسهم في حماية المنافسة وصون آليات العرض والطلب. الجهاز هنا يلعب دور المحقق الذكي فهو لا يراقب السعر في المحل بل يراقب سلوك حيتان السوق من خلال رصد الاتفاقات السرية بين التجار المحتكرين وكبار السماسرة الذين فرضوا أسعارًا موحدة ظلمت المربي الصغير وقهرت المستهلك. بالإضافة إلى ذلك قام الجهاز بتحليل البيانات باستخدام نماذج اقتصادية لإثبات أن الارتفاع في الأسعار غير مبرر قياسًا بتكلفة الأعلاف أو المدخلات الخاصة بالصناعة. وهنا لم تكن المعركة الرقابية تدور حول تسعيرة جبرية غير موجودة بل كانت معركة كشف التحالفات السرية ولهذا كانت الإشادة بالدور الاحترافي لجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية حيث استطاع أن يثبت وجود الاتفاقات السرية بين مجموعة من كبار السماسرة والمنتجين الذين كانوا يتواصلون عبر غرف مغلقة ومجموعات تواصل لفرض سعر تنفيذ موحد يوميا. ونجح الجهاز في تحليل سلوك السوق باستخدم الخبراء بالجهاز أدوات اقتصادية لإثبات أن السعر المعلن من السماسرة مصطنع ولا يعكس تكلفة العلف أو العرض والطلب مما يعني وجود إرادة مشتركة بين المتهمين لتعطيش السوق والتربح من خلال ذلك. وهذا يؤكد على أن الضربة التي وُجهت لسماسرة الدواجن لم تكن وليدة تحرك عشوائي بل جاءت نتاج تكامل مؤسسي عكس رغبة الدولة في إغلاق كافة الثغرات أمام المتلاعبين. هذا التكامل تجسد في مثلث رقابي أدار المعركة باحترافية أولها جهاز حماية المنافسة بقيادة الدكتور محمود ممتاز رئيس الجهاز الذي اضطلع كما قلنا بالدور الأصعب وهو البحث والتحري الاستقصائي من خلال دراساته الفنية والإحصائية لفك شفرة هؤلاء المحتكرين. وبعد ذلك جاء دور جهاز حماية المستهلك الذي كان يعمل كترمومتر للسوق؛ حيث رصد شكاوى المواطنين وتابع مدى توافر السلع وإتاحته مع التأكد من عدم وجود ممارسات حبس المنتجات عن التداول وفقًا للمادة 8 من قانون حماية المستهلك. وقد أكد رئيس الجهاز إبراهيم السجيني؛ أن التنسيق في كافة القضايا يتم بإشراف مباشر من الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء لضمان استقرار الأسعار وحماية حقوق المستهلكين. وبعد ذلك جاء دور النيابة العامة التي قامت بعد تحقيقات دقيقة ومراجعة للأوراق والتقارير الفنية بإحالة المتهمين للمحاكمة. هذا التشابك بين الدراسة الفنية لجهاز المنافسة منع الممارسات الاحتكارية والرقابة الميدانية لجهاز حماية المستهلك كان الأساس الذي بنى عليه تلك القضية. ويرى الدكتور محمود منصور الخبير القانوني المتخصص في القضايا الاقتصادية؛ أن إحالة سماسرة الدواجن للمحاكمة الجنائية ليست مجرد قضية تموين بل هي سابقة قانونية تعكس تطورًا في فكر جهات التحقيق والرقابة، حيث أن الاستناد للمادة 6 من القانون رقم 3 لسنة 2005 أسهم في استهداف الجريمة من جذورها وهي كشف الاتفاق المسبق فالقانون هنا لا يعاقب التاجر لأنه رفع السعر بل يعاقبه لأنه ألغى المنافسة باتفاقه مع زملائه وهو ما يسمى قانونًا بالكارتيل الإجرامي وفقا لمسماه في قانون منع الاحتكار. ويوضح الخبير القانوني؛ أن إثبات هذه الجريمة كان شبه مستحيل في الماضي ولكن بيان النيابة العامة الذي أشار إلى رصد نمط متكرر من التوازي السعري يعني أن الأجهزة الرقابية استخدمت التحليل الإحصائي الرقمي، فعندما يرتفع السعر عند 10 تجار في نفس اللحظة وبنفس القيمة رغم اختلاف مزارعهم وتكاليفهم فهذا دليل قاطع على وجود اتفاق سري وهو ما يقع تحت طائلة المادة 6 من القانون التي تحظر تثبيت الأسعار. ويضيف الدكتور محمود منصور؛ أن المادة 8 من قانون منع الممارسات الاحتكارية هي صمام الأمان للمربي الصغير والمستهلك فهي تحظر على من له سيطرة سوقية من خلال تحكمه في نسبة كبيرة من حصة السوق، ممارسة أساليب ما يعرف بالخنق الاقتصادي فتعليق بيع الأعلاف بشرط شراء سلالات معينة أو منع توزيع المنتج في منطقة جغرافية لتعطيشها هي جرائم مكتملة الأركان تستوجب وفقًا لتعديلات قانون حماية المستهلك الحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات في حالة العودة. ويؤكد الخبير القانوني المتخصص في القضايا الاقتصادية؛ على أن المحتكر لم يعد يخشى الغرامات البسيطة لكن مع تعديلات قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية التي أُقرت في 2022 أصبح هناك رادع وتحديدا المادة 22 التي تفرض غرامة تصل إلى 12% من إجمالي الإيرادات أو غرامة مقطوعة تصل ل500 مليون جنيه مع عدم الإخلال بأي عقوبات أشد في قوانين أخرى وهذا يقول أننا أمام عقوبات رادعة لأي محاولة تلاعب بأقوات الشعب بالإضافة لتلك العقوبات هناك عقوبة معنوية وهى وجوب نشر الحكم بالأسماء في الجرائد ضربا للعلامة التجارية التي مارست الاحتكار للحصول على أموال المستهلكين. ولا تتوقف معركة أجهزة الدولة عند حدود مزارع الدواجن بل تمتد لتشمل كافة القطاعات الحيوية التي تمس صلب الحياة اليومية للمصريين؛ فخلال الفترة الأخيرة نجح جهاز حماية المنافسة في كشف واحدة من القضايا الكبرى في قطاع الدواء وتحديدًا في استغلال احدى الشركات لواحد من اهم المستحضرات الطبية وهو السيتروتايد المستخدم في عمليات الحقن المجهري حيث أثبتت تحقيقات الجهاز مخالفة إحدى كبرى شركات توزيع الأدوية لإساءة استخدام وضعها المسيطر كونها المستورد والموزع الوحيد لهذا العقار الذي نستطيع أن نصفه بالشحيح. اقرأ أيضا: مكافحة الاحتكار وضبط المخالفات.. أولويات شرطة التموين في رمضان تحقيقات الجهاز اثبتت أن الممارسة الاحتكارية لم تكن فقط اقتصادية بل إنسانية بالدرجة الأولى؛ حيث ميزت الشركة صيدلياتها التابعة وحرمان الصيدليات الأخرى مما خلق سوقًا غير رسمية بزيادة سعرية وصلت ل 35% وهو ما تصدى له الجهاز بالتنسيق مع هيئة الدواء لضمان حق المواطن في العلاج بسعر عادل. أيضًا كانت هناك قضايا مهمة تصدى لها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في قطاع التعليم؛ حيث اقتحم الجهاز ملف الزي المدرسي الذي يثقل كاهل الأسر سنوياً، حيث أثبت الجهاز مخالفة عشرات المدارس للمادة 8 من قانون حماية المنافسة. وتنوعت ممارسات تلك المدارس بين الربط بإجبار ولي الأمر على شراء الزي كطقم كامل أو ربطه بالخدمة التعليمية وتعقيد المواصفات لضمان الشراء من منفذ وحيد وحجب المواصفات. هذه الضربات الرقابية لم تحمى فقط جيوب أولياء الأمور بل أعادت الفرص للمصانع والمحلات الصغيرة للمنافسة في هذا السوق الضخم. إن هذه القضايا المتنوعة التي تصدى لها جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية من الدواء إلى الزي المدرسي وصولاً للدواجن تؤكد على أن الجهاز يطبق استراتيجية الحياد التنافسي في كافة القطاعات واضعًا نصب عينيه كما يقول القانون المؤسس للجهاز منع أي طرف من الانفراد بالسيطرة على احتياجات المواطن الأساسية.