«لعبت الدراما المصرية عبر تاريخها دورًا محوريًا فى طرح قضايا شائكة، وأسهمت فى تغيير أنماط التفكير والسلوكيات، سواء فى مسائل الأمن القومى أو فى القضايا الاجتماعية هذا الموسم، اختار صناع الدراما مواجهة الواقع الاجتماعى وجهًا لوجه، لا الالتفاف حوله، ولا الاكتفاء بإعادة تدوير الصراعات التقليدية، أو الاتكاء على وصفات مضمونة للنجاح الجماهيرى، بل التقدم إلى مناطق شائكة، وقضايا ليست عابرة، تمس بنية المجتمع العميقة، وتضع الفن أمام مسئوليته الأخلاقية والاجتماعية.. فلم يعد الموسم الدرامى طقسًا ترفيهيًا عابرًا يتسلل إلى البيوت بعد الإفطار، بل صار مرآة حية تعكس توترات المجتمع، وأحلامه وأسئلته المؤجلة التى تراكمت عبر الزمن.. الامتحان الحقيقى للأعمال الدرامية لن يقاس بعدد المشاهدات أو صدارة الترند، بل بقدرة العمل على تقديم محتوى يحمل قيمة اجتماعية دون التضحية بالجودة الفنية والتشويق الدرامى. وتحويل القضايا المطروحة إلى تجارب إنسانية نابضة، تلامس الوجدان قبل أن تخاطب العقل. فالدراما حين تنجح فى المزج بين الوعى والجمال، بين الرسالة والمتعة، بين التحدى الفنى والوعى الاجتماعى، تتحول من مجرد سرد قصصى إلى فعل ثقافى وشريك حقيقى فى صياغة وعى المجتمع.» اقرأ أيضًا | دراما رمضان 2026.. «حد أقصى» يساهم فى رفع الوعي المصرفي تقف الدراما هذا العام عند لحظة اختبار حقيقية، من خلال واحد من أكبر السباقات الدرامية فى السنوات الأخيرة، فهى أمام فرصة تاريخية لتأكيد دورها كأداة للتنوير والتغيير الاجتماعى، لكنها فى الوقت ذاته تواجه تحديًا يتمثل فى الحفاظ على جاذبيتها الفنية دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو شعارات جاهزة. فالنجاح لن يُقاس بجرأة الطرح وحدها، بل بقدرة الأعمال على تحويل القضايا المطروحة إلى تجارب إنسانية وجمالية متكاملة، تترك أثرًا فى الوعى الجمعى وتبقى فى ذاكرة المشاهدين بعد انتهاء الموسم.. ورغم أن الوقت لا يزال مبكرًا لإصدار أحكام نهائية، فإن المؤشرات الأولية تكشف عن تحول لافت فى توجهات عدد من صناع الدراما، فبدل الاكتفاء بالمسارات التقليدية للصراعات العائلية المكررة أو الحكايات النمطية، اتجهت أعمال عدة إلى مناطق أكثر حساسية وجرأة، واضعة القضايا الاجتماعية والإنسانية فى قلب الحدث الدرامى. هذا التحول لا يبدو مجرد مصادفة فنية أو محاولة عابرة لتغيير القوالب المعتادة، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المشاهد لم يعد يبحث فقط عن المتعة والإثارة، بل بات يتطلع إلى أعمال تلامس واقعه وتعكس قلقه اليومى وأسئلته المؤجلة. فلسفة صناعة الدراما هذا التوجه نحو القضايا المجتمعية والإنسانية يعكس تحولًا مهمًا فى فلسفة صناعة الدراما، إذ لم تعد الشاشة الصغيرة مجرد مساحة للترفيه أو استهلاك الحكايات التقليدية، بل تحاول أن تستعيد دورها كمنصة للحوار المجتمعى وطرح الأسئلة الصعبة التى قد يتجنبها الواقع أحيانًا. فعندما تتناول الدراما ملفات مثل العقم وتأخر الإنجاب، ومعاناة الأسر مع الأبناء المصابين بالتوحد، والنزاعات الأسرية المرتبطة بقانون الرؤية بعد الطلاق، فإنها لا تروى قصة فردية فحسب، بل تفتح نقاشًا حول الاستقرار الأسرى والتوازن النفسى والاجتماعى. هذه القضايا لم تعد تُطرح كخلفيات جانبية، بل تحولت إلى محاور أساسية تدور حولها الأحداث، لا مجرد مساحة للهروب من الواقع وتعقيداته. هذه الملفات الحساسة تضع صناع الدراما أمام مسؤولية مضاعفة فالجمهور لم يعد يتقبل الطرح السطحى أو المعالجات القائمة على الإثارة وحدها، بل أصبح أكثر قدرة على التمييز بين عمل يقدم رؤية إنسانية صادقة، وآخر يكتفى باستغلال القضية كوسيلة لجذب الانتباه وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة. من هنا، فإن نجاح هذه الأعمال لا يرتبط بجرأة الموضوع بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على تقديم شخصيات درامية حقيقية تنبض بالحياة، وتحمل أبعادًا نفسية واجتماعية متماسكة. فالقضية حين تُطرح من خلال شخصيات مكتوبة بعمق ورؤية إخراجية واعية، تتحول إلى تجربة إنسانية مؤثرة، وربما إلى قوة دافعة لتغيير بعض التصورات والسلوكيات. أما حين تُقدم بصورة خطابية مباشرة، فإنها تفقد قوتها الفنية وتتحول إلى رسائل وعظية قد تدفع المشاهد إلى النفور بدل التفاعل. المقاطعة وضبط السوق ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذا الاتجاه الإيجابى على كامل الخريطة الدرامية فإلى جانب الأعمال التى تقترب من الواقع الاجتماعى بوعى ومسؤولية، ما زالت هناك مسلسلات تعتمد على الصراعات التقليدية أو العنف والإثارة المباشرة أو استنساخ نماذج استهلاكية لا تحمل مضمونًا اجتماعيًا عميقًا. وجود هذه الأعمال يظل أمرًا طبيعيًا فى ظل تنوع الأذواق، لكنه يعكس استمرار التحدى أمام صناعة الدراما فى تحقيق التوازن بين متطلبات السوق والرسالة الفنية. هنا على المشاهد ألا يكون متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا حقيقيًا فى توجيه بوصلة الصناعة فاختياره لما يشاهده، وانصرافه الواعى عن الأعمال التى تعتمد على العنف المفرط أو الإثارة الفجة، يمثل رسالة واضحة لصناع الدراما بأن نسب المشاهدة لا تُمنح مجانًا. السوق اليوم تحكمه الأرقام، والأرقام يصنعها الجمهور لذا فإن الرفض الهادئ والتجاهل المتعمد للأعمال التى تسىء لقيم المجتمع أو تروج لنماذج سلوكية مشوهة هو وسيلة فعّالة للحد من انتشارها. فكل عمل لا يحقق مشاهدة مرتفعة يفقد جاذبيته التجارية، ويتراجع حضوره فى المواسم التالية وهنا تتجلى مسؤولية المشاهد، ليس فقط فى اختيار ما يناسب ذوقه، بل فى حماية وعيه ووعى الأجيال الأصغر من محتوى قد يرسخ العنف كخيار طبيعى، أو يقدم صورًا مضللة للنجاح والقوة فالمقاطعة الواعية أداة حضارية تضبط إيقاع السوق، وتدفع الدراما نحو محتوى أكثر احترامًا لعقل المجتمع وقيمه. فى النهاية يمكن القول إن موسم دراما 2026 أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن يرسخ مسارًا جديدًا نحو دراما تلامس قضايا المجتمع بوعى فنى وإنسانى، أو أن يتحول هذا التوجه إلى مجرد موجة عابرة تتراجع أمام حسابات الربح السريع. ويبقى الحكم النهائى فى يد الجمهور، الذى بات أكثر وعيًا وقدرة على فرز الأعمال التى تحترم عقله وتخاطب واقعه، من تلك التى تقدم حكايات عابرة تتلاشى بانتهاء الموسم.. إن الدور الترفيهى للفن لا يتعارض مع دوره التوعوى، بل إن أعظم الأعمال هى تلك التى نجحت فى تحقيق هذا التوازن الدقيق بين المتعة والمسئولية. والدراما المصرية عبر تاريخها الطويل نجحت فى كثير من الأحيان فى لعب هذا الدور التنويرى، كإحدى أدوات تشكيل الوعى الجمعى، وأسهمت فى فتح نقاشات مجتمعية حول قضايا شائكة كانت تعد فى وقت ما من المحظورات الاجتماعية.