ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه. وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا. بين أروقة التاريخ وأصداء المقامات العراقية الأصيلة، ينسج الخيال موعداً استثنائياً، ليس مجرد لقاء مع فنانة، بل استحضار لزمن كان فيه الفن جسرًا للتعايش، والصوت ترياقاً للغربة. في هذا الحوار، تقتفي الكاتبة والروائية العراقية القديرة إنعام كجه جي، أثر إحدى قمم الغناء العراقي سليمة مراد، لنكشف بلسان روائي شغوفٍ ما وراء الستار من حب، وصمود، وانكسارات.. أبدأ بسؤالى المعتاد: ◄ إذا عدتِ إلى التاريخ، من تختارين لكي تجلسي معه على مائدة واحدة؟ بهدوء تجيب "أنعام": أختار المغنية العراقية سليمة مراد (1900- 1974). ◄ لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟ لأنني قبل كل شيء أحب صوتها، ولأنها كانت ذات شخصية قوية وسيدة كسبت احترام ملايين العراقيين. ■ المطربة العراقية سليمة مراد ◄ وماذا تمثل لكِ الآن؟ تمثل امرأة رائدة سبقت زمانها؛ فقد عملت مغنية في الملاهي في وقت كانت فيه الفنانات يأتين غالباً من سوريا ولبنان. ولم يؤثر في مسيرتها كونها يهودية الديانة، فقد اتسم المجتمع العراقي في منتصف القرن الماضي بالتعايش الطيب بين أبنائه من مختلف العقائد. ◄ ما أهم سؤال تريدين توجيهه إليها؟ سأسألها: كيف مضيتِ في حبك لزميلك المطرب ناظم الغزالي وتزوجتِه رغم اختلاف الدين وفارق السن؟ إذ كان أصغر منكِ بأكثر من خمسة عشر عاماً. ◄ أين أخطأت من وجهة نظرك؟ كل إنسان معرّض للخطأ، وأنا لم أدخل في خصوصيات حياتها لأقف على زلّة أو خطأ. كانت أغنياتها من العذوبة ما يغفر لها خطاياها -إن كانت لها خطايا- فقد أسعدتنا وما زالت؛ تسجيلاتها تطربنا في زمن لم يعد كذاك الذي عاش فيه جيلها. ◄ هل كان يمكنها أن تختار طريقاً آخر؟ كان يمكنها أن تكون أنانية، فتحتفظ بخبراتها الفنية ولا تمنح زوجها أسرار المقامات القديمة، التي جعلت منه أول مطرب عراقي يصل إلى قلوب المستمعين العرب. ◄ ما الذي تودين معرفته عن ضعفها، خوفها، ولحظات شكها؟ كروائية، أتشوق لمعرفة كل شيء؛ فترة العوز وقلة ذات اليد، لحظات التحدي وقرار الخروج للغناء علناً. هل "دار عقلها" حين انهمرت عليها الأموال وتسابقت شركات الأسطوانات للتعاقد معها؟ وأيضاً براعتها في صدّ عشرات المعجبين والعشاق من السياسيين والضباط وعلية القوم، وفترات الشك ومواجهة مطربات جديدات أكثر شباباً، وأخيراً ذلك الصباح الرهيب الذي فقدت فيه زوجها وحبيب عمرها ناظم الغزالي بسكتة قلبية وهو في عز رجولته. ◄ ماذا ستسألينها عن عالمنا اليوم؟ لا سؤال من هذا النوع، لأنني موقنة أنها ستصاب بخيبات عميقة. ◄ ما النصيحة التي قد تأخذها منكِ؟ تجيب: وهل للصغير أن ينصح الكبير؟ ◄ وما الفكرة التي سترفضينها منها؟ قصة عودتها من بيروت بالطائرة وترك زوجها يعود براً بالسيارة، وهي الرحلة التي أرهقته فتوقف قلبه على إثرها. أريدكِ أن تسأليها سؤالاً واحداً خارج السياق؛ صادماً، إنسانياً، أو أخلاقياً؟ هل شعرتِ بالغيرة أم بالاعتزاز حين زارت أم كلثوم بغداد وأُعجبت بكِ، وقررت أن تغني بصوتها أغنيتكِ الأشهر: "قلبك صخر جلمود ما حنّ عليّ"؟ ◄ ماذا سيبقى معكِ بعد هذا اللقاء؟ حسرة أنها رحلت قبل أن أفوز بمقابلة حقيقية معها.