جاء التعديل الوزارى الأخير فى توقيت اقتصادى دقيق، لا يمكن فصله عن التحولات التى شهدها الاقتصاد المصرى خلال العام الماضي، حيث يعكس استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، تركيزًا أوضح على تنسيق السياسات المالية والاقتصادية والتوجّه نحو تحسين إدارة الرسائل الحكومية، وتعزيز التواصل مع المستثمرين، بما قد يساهم فى دعم بيئة الأعمال ورفع كفاءة الأداء الإداري، للوصول بإجمالى الاستثمارات الخاصة إلى 70٪ من إجمالى الاستثمارات عام 2030، كما هو مستهدف من قبل الحكومة مقارنة ب 65٪ حاليًا، وذلك شريطة اقترانه بتنفيذ فعلى وقياس واضح للنتائج. ويأتى هذا التعديل فى وقت شهد فيه الاقتصاد المصرى تحسنًا ملموسًا فى عدد من المؤشرات الكلية خلال عام 2025، مدفوعًا بانتعاش قوى فى مصادر النقد الأجنبى، إذ سجلت تحويلات المصريين بالخارج 37.5 مليار دولار خلال أول 11 شهرًا، وتجاوزت الصادرات غير النفطية 48.5 مليار دولار عام 2025، بينما حققت السياحة إيرادات تفوق 18 مليار دولار، وانعكس ذلك فى تحسّن ثقة المستثمرين، مع تراجع مخاطر تكلفة الائتمان CDS إلى أدنى مستوياتها منذ 2021 وارتفاع استثمارات الأجانب فى أدوات الدين إلى 45 مليار دولار، كما تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية 50 مليار دولار وارتفع صافى الأصول الأجنبية لأكثر من 25 مليار دولار، وبالتوازى، اتخذ التضخم مسارًا هابطًا، وبدأ البنك المركزى دورة تيسير نقدي، انعكست فى دخول مؤشر مديرى المشتريات PMI، منطقة التوسع لأول مرة منذ يناير 2025. ومع ذلك، تبقى تكلفة خدمة الدين تحديًا كبيرًا، إذ تستهلك 96٪ من الإيرادات، ما يفرض ضغوطًا على المساحة المالية للحكومة ويؤكد الحاجة إلى مواصلة الإصلاحات لضمان استدامة التحسن مع تسريع الطروحات وتعزيز حصة القطاع الخاص فى الاقتصاد. توسيع الإيرادات لا يتحقق عبر حلول مؤقتة، بل من خلال دعم نمو القطاع الخاص وزيادة مشاركته فى الاقتصاد، فمع اتساع نشاطه، تتوسع القاعدة الضريبية بشكل طبيعى، ما يرفع قدرة الدولة على خدمة ديونها دون تحميل القاعدة الحالية مزيدًا من الأعباء. قد لا يلمس المواطن العادى، هذه التحوّلات على الفور، فالكثير من القوة الشرائية التى تآكلت بسبب التضخّم ومرونة سعر الصرف ستحتاج وقتًا للتعافى، التحسّن الحقيقى لن يُقاس بالأرقام وحدها، بل عند بدء القطاع الخاص فى التوسّع وتحويل الاستثمارات إلى وظائف وإنتاج وصادرات، عندها فقط ستترجم لغة المؤشرات إلى واقع ملموس فى حياة الناس. وهنا يكمن جوهر الأمر: دخول الاقتصاد المصرى فى مرحلة استعادة قابلية التنبؤ هو أثمن ما يسعى إليه المستثمر، فمع وضوح الرؤية والقدرة على التنبؤ، سيتمكن القطاع الخاص من التخطيط بثقة، وسيجد الاستثمار طريقه بشكل طبيعى إلى السوق المصرى، مما يعزز الاستقرار ويحوّل الأرقام إلى واقع يلمسه الجميع. وقد تجسّد هذا التوجه بوضوح فى السردية الاقتصادية المحدثة، التى وضعت المواطن فى قلب عملية التنمية، وربطت نجاح السياسات العامة ليس فقط بمعدلات النمو، بل بمؤشرات تمس حياة الناس مباشرة، لتصبح الأرقام أداة لخدمة المواطن، لا غاية فى حد ذاتها. غير أن نجاح هذا التحوّل يظل مشروطًا بربط المؤشرات التى تمس حياة المواطن بإطار تنفيذى وزمنى واضح يخضع لمراجعة دورية لقياس الفجوات، وإعادة تقييم الأهداف، وتصويب المسار عند الحاجة.