أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم الجمعة 13 فبراير 2026    عبد العاطي يطلع وزيرة الشؤون الأفريقية البريطانية على تطورات الأوضاع في السودان والصومال    على خطى ترامب في قضايا الهجرة، برونو ريتايو يقرر التنافس على رئاسة فرنسا 2027    ترامب: يمكن أن نبرم اتفاقاً مع إيران خلال الشهر المقبل    العاصفة وصلت والأمطار الرعدية تتقدم، الأرصاد توجه تحذيرا عاجلا لسكان هذه المناطق    بعد مصرع صاحب المعاش.. المعمل الجنائي يفحص آثار حريق كفر شكر    الدعاء المستحب يوم الجمعة وآدابه    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    نقيب الأطباء: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان.. نأخذ رقعة سطحية بميليمترات والمتوفى يُدفن بجلده كاملا    انهيار وطلب الطلاق.. لقاء الخميسي تكشف مفاجأة: شخصية شهيرة تعمدت إبلاغي بزواج عبد المنصف    سان جيرمان وتشيلسي وقمة الهلال والاتفاق، مواعيد مباريات اليوم الجمعة والقنوات الناقلة    التصريح بدفن مُسن ضحية حريق كفر شكر.. وتحريات لكشف الملابسات    الجيش الإسرائيلي: استهداف عنصر من «حزب الله» في منطقة الطيري جنوبي لبنان    وزير التربية والتعليم يكشف الخطوات الإصلاحية للمنظومة التعليمية    بعد غياب عن السعودية، محمد حماقي يتألق في موسم الرياض (فيديو)    ماذا يريد الناس من الحكومة؟    إدارة ترامب تتوصل إلى اتفاق تجاري لخفض الحواجز الجمركية مع تايوان    نهاية الطريق.. المحكمة تقضي بالمشدد 15 سنة لعصابة مخدرات بالقناطر الخيرية    حكم الاعتماد على ال«Ai» في تفسير القرآن    رفض وتنمر وغياب للأنشطة والمناهج المناسبة.. تحديات تواجه دمج ذوي الهمم بالمدارس    الأهلي يبدأ اليوم استعداداته لمواجهة الجيش الملكي.. وفحوصات لمروان عثمان    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    «بلطة الشائعات».. شاب يقتل عمته ويشعل النار في بيتها بالفيوم    هجوم روسي يضرب البنية التحتية للطاقة في أوديسا ويوقف التدفئة والمياه    مصطفى بكري: الناس كانوا ينتظرون التغيير وفُوجئوا بالتعديل.. والحكومة قد تستمر حتى يوليو 2027    هاني محمود: مصر تتربع على عرش أفريقيا في سرعة الإنترنت الأرضي    تدريبات الأهلي تحسم موقف إمام عاشور من مباراة الجيش الملكي    خروج عربة عن القضبان يوقف حركة قطارات «القاهرة – الإسكندرية» مؤقتًا    فلسطين.. طائرات الاحتلال المسيرة تقصف منازل في حي الزيتون جنوب شرق غزة    الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها    إصابة 3 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي الساحلي    الرقم صادم.. هذا هو أجر يارا السكري في برنامج رامز ليفل الوحش    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    اليوم، توقف خدمات شحن عدادات المياه مسبقة الدفع    قروض بضغطة زر.. فخ إلكتروني يبتلع آلاف الضحايا    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    "انتكاسة للعدالة" ..محكمة ألمانية ترفض دعوى لمنع بيع "إسرائيل" السلاح    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    تجديد حبس المتهمة بخطف رضيع منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية 15 يوما    تموين الإسكندرية: مركز خدمات حي شرق يحصد المركز الأول في جائزة التميز الحكومي    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    نقابة المحامين تخصص رابطًا للاستعلام عن اللجان في جولة الإعادة لانتخابات الفرعيات    أرسنال يتعادل مع برينتفورد ويشعل صدارة الدوري الإنجليزي    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    كيف نستعد لاستقبال شهر رمضان استعدادًا صحيحًا؟.. أمين الفتوى يجيب    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حكومة برؤية جديدة !?    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الأخبار» تكشف الوجه الخفى لتطبيقات التمويل السريع على الإنترنت| قروض بضغطة زر !
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 12 - 02 - 2026

الخبراء: تستغل الحاجة وتُحوِّل البيانات إلى سلاح وباب خلفى للتشهير بالمُستخدمين
تصل للصور والرسائل وجهات الاتصال وتهدد بالفضائح
شبكات إجرامية منظمة.. والمُلاحقة مُمكنة بتعاون دولى وأدوات متقدمة
منظومات جمع البيانات تفتح أبواب البيوت للغرباء
تستغل سلوكياتنا الرقمية وتُحوِّل الاقتراض إلى دائرة نفسية واجتماعية خطيرة
تضر بالاقتصاد .. وال i score الخاص بالمواطنين.. وتؤدى إلى استنزاف دخول الأفراد
فى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع الأسعار، لجأ آلاف المصريين إلى تطبيقات القروض السريعة المنتشرة على الهواتف الذكية، والتى تعد بمنح القرض خلال دقائق دون ضمانات، لكن خلف هذه السرعة تكمن مشكلات حقيقية: فوائد باهظة، تهديدات بالتشهير، وممارسات غير قانونية وصلت إلى حد الابتزاز الإلكتروني..
نعم هى قروض بلا ضامن، لكنها ليست بلا ثمن.. فما يبدو مخرجًا سريعًا من أزمة مالية قد يتحول إلى بوابة لدوامة أكبر من العوز، والوصمة، والانهيار النفسي..
وبين صعوبة الملاحقة والرقابة القانونية وتهافت المستخدمين، تبقى الحاجة ملحة لصحوة تشريعية وتوعوية تحمى المواطن من الاستغلال الرقمى المقنّن..
وجدت تطبيقات القروض الفورية على الهواتف الذكية، ثغرتها الذهبية، لتتسلل إلى جيوب المصريين بضغطة زر، مقدمة وعودًا براقة ب «أموال سريعة بلا ضمانات»، لكن خلف هذه السهولة المضللة تختبئ كلفة باهظة، لا تُقاس فقط بالفوائد الخيالية التى قد تتجاوز 100% خلال أسابيع، بل أيضًا بفضائح وابتزاز وانتهاك فجّ للخصوصية.
«الأخبار»، فى هذا التحقيق، تفتح ملف «القروض الفورية عبر الهاتف».. كيف غزت السوق المصرية؟ ما آليات استغلالها للمواطنين؟ وما الآثار النفسية والاجتماعية المُترتبة عليها؟ ثم نرصد الثغرات القانونية والرقابية، ونستعرض الحلول الممكنة لمواجهة واحدة من أخطر صور الاستغلال الرقمى فى حياتنا اليومية.
اقرأ أيضًا| منح 11 ألف عميل قروض مميكنة للمشروعات متناهية الصغر من بنك مصر
فى البداية، لابد أن نعلم أن هذه التطبيقات، التى تنتشر تحت أسماء لامعة ومحفزة مثل «تكة -كاش بلس- مايلو-مونى بوكس-هيمال» وغيرها داخل وخارج متجر «جوجل بلاي»، لا تخضع معظمها فى الغالب لأى رقابة من البنك المركزى أو جهاز حماية المستهلك «إلا من رحم ربي»، وتعمل فى مساحة رمادية قانونيًا تسمح لها باصطياد آلاف الضحايا يوميًا، حيث وصل السوق العالمى لمنصات الإقراض الرقمى فى 2024 إلى حوالى 10.55 مليار دولار، ومن المُتوقع أن يصل إلى حوالى 44.49 مليار دولار بحلول 2030 بنمو سنوى مركب يقارب 27.7٪.
الأمر لم يعد ظاهرة بسيطة، فقد فوجئ بعض المستخدمين بتسريب صورهم ورسائلهم إلى جهات اتصالهم، وآخرون تلقوا تهديدات مباشرة بالتشهير إذا لم يسددوا «القرض والفوائد».. حتى إن الكثير من المصريين دشنوا جروبات على فيس بوك وإكس يحذرون فيها من الدخول فى دوامة هذه التطبيقات لتنتشر قصصهم المأساوية على السوشيال ميديا.
اقرأ أيضًا| يحصل عليه خلال ساعتين.. بنك مصر يطرح «قرض فوري» لعملاء المرتبات
إهانة وتشهير
إحدى هذه القصص ل «س.م»، وهو موظف فى شركة خاصة براتب محدود، يقول على أحد الجروبات الخاصة بنشر قصص المقترضين من تلك التطبيقات على فيس بوك، إنه اضطر لتحميل أحد تطبيقات القروض السريعة بعد أن تأخر راتبه واضطر لتغطية مصاريف أسرته، حصل على قرض صغير لا يتجاوز 2000 جنيه، لكنه فوجئ بأن التطبيق يخصم فوائد وغرامات متزايدة وصلت إلى أكثر من 4000 جنيه خلال أسابيع قليلة.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فبعد تأخره فى السداد، تلقى تهديدات من إدارة التطبيق بإرسال رسائل إلى جميع جهات الاتصال فى هاتفه، وبالفعل، تم إرسال رسائل نصية لعدد من زملائه وأقاربه تحمل عبارات تشهير بأنه «شخص مديون ويرفض السداد».
يقول «س.م»: «المشكلة لم تعد فى الدين نفسه، بل فى الإهانة أمام الناس، أنا فقدت ثقتى فى نفسى وتعرضت لضغط نفسى رهيب».
وتحكى «م.ع»، وهى ربة منزل من إحدى المحافظات، أنها لجأت إلى تطبيق شهير للقروض للحصول على 3000 جنيه لتغطية علاج أحد أبنائها.
فى البداية كان كل شيء يبدو سهلًا وبسيطًا، لكنها لم تكن تعرف أن الفوائد تتضاعف بشكل مبالغ فيه، بعد شهرين، أصبحت مطالبة بسداد أكثر من 9000 جنيه.
وعندما عجزت عن الدفع، بدأ مسئولو التطبيق، يرسلون صورها الشخصية (التى كانت محفوظة على الهاتف بعد أن منحته الصلاحيات الكاملة) إلى بعض الأرقام من قائمة جهات الاتصال لديها، فى محاولة لإجبارها على الدفع.
تقول «م.ع» وهى تبكي: «أنا لم أخطئ فى شيء سوى أننى صدقت إعلانًا كاذبًا، حياتى الاجتماعية تدمّرت، وأشعر بأننى مراقَبة ومطاردة طول الوقت».
ورغم خطورة الظاهرة، لا تزال المواجهة مجتزأة، إذ يقف المواطن أعزل أمام شركات مجهولة الهوية، تعمل غالبًا من خارج الحدود، مستفيدة من غياب تشريعات واضحة تنظم سوق القروض الرقمية، وفى المقابل، يطالب خبراء الأمن السيبرانى وعلم النفس والقانون، بضرورة التحرك العاجل لتقنين هذه التطبيقات، وإنشاء منصات وطنية بديلة تضمن حماية الخصوصية وحقوق المستهلك.
صلاحيات واسعة
وفى هذا الصدد، قال د.محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، إن انتشار تطبيقات القروض السريعة على الهواتف الذكية، فتح سوقًا رقميًا جديدًا للتمويل، لكن جزءًا من هذا السوق تتحكم فيه كيانات تعمل خارج الأطر القانونية، تستغل حاجة المستخدمين وفجوات الوعى الرقمى للحصول على بيانات حساسة ثم توظيفها فى الابتزاز لاحقًا.
وأوضح أن العملية تبدأ منذ لحظة تحميل التطبيق، حيث يجرى الترويج له عبر إعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو رسائل SMS، أو عبر متاجر تطبيقات غير رسمية، بل إن بعض النُسخ المزيفة تظهر حتى فى متاجر رسمية بأسماء مطورين غامضة، وبمجرد التثبيت، يطلب التطبيق صلاحيات واسعة تشمل الوصول إلى الصور والفيديوهات، والرسائل القصيرة، وجهات الاتصال، والميكروفون والكاميرا، إلى جانب بيانات الجهاز وموقعه، وعلى الرغم من أن السبب المعلن لهذه الصلاحيات هو «توثيق الهوية» أو «تسهيل التواصل»، إلا أن الهدف الحقيقى، بناء قاعدة بيانات شخصية شاملة عن المُستخدم.
وأشار رمضان، إلى أن التطبيقات تطلب كذلك إجراءات تحقق زائفة (KYC)، مثل تصوير بطاقة الهوية، أو التقاط صور سيلفي، أو تصوير شيكات وعقود موقعة، وهى مستندات بالغة الحساسية يتم تخزينها على خوادم خارجية أو بيعها لوسطاء بيانات، وقد تُستغل هذه الوثائق فى جرائم لاحقة كإصدار شيكات مزورة أو التلاعب القانونى باسم الضحية، وبعض التطبيقات، بحسب رمضان، تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعى لتحليل سلوك المُستخدم وشبكة معارفه ونمط رسائله لتقييم احتمالية السداد، لكن هذه التحليلات تُستخدم أيضًا لتصنيف الضحية ك «هدف مرتفع القيمة» لعمليات بيع البيانات أو الابتزاز.
وبَيَّن أن القروض التى تبدو فى البداية صغيرة وبسيطة تتحول لاحقًا إلى أداة للضغط النفسى والمالي، تبدأ عملية الابتزاز بتهديد الضحية بنشر الصور والمستندات الشخصية أو إرسالها إلى جهات العمل والأقارب، أو باستخدام صور التوقيعات والشيكات كأدلة زور لمطالبات مالية ضخمة، وقد يتطور الأمر إلى سلسلة متصاعدة من المطالب، تبدأ بمبالغ محدودة ثم تتزايد تدريجيًا مع استغلال خوف الضحية من الفضيحة أو الملاحقة القانونية، وأحيانًا يتم اللجوء إلى إنشاء مجموعات على تطبيقات المراسلة لعرض ابتزاز ضحايا آخرين كوسيلة ترهيب جماعي.
وأكد رمضان، أن ممارسات الابتزاز هذه غالبًا ما تُدار عبر شبكات منظمة تستعين بوسطاء دفع (money mules) وحسابات مصرفية فى دول متعددة، ما يجعل ملاحقتها تتطلب تعاونًا دوليًا عبر آليات قانونية متبادلة، وهنا يأتى دور التحقيقات الجنائية الرقمية، التى تبدأ بتحليل التطبيق نفسه باستخدام أدوات متخصصة لفك شفراته ومراقبة حركة بياناته عبر الشبكة، ثم تتبع مسارات الأموال عبر البنوك ومحافظ الدفع الإلكتروني، بجانب استخدام تقنيات التحرى المفتوح (OSINT) لتعقب المطورين ومقدمى خدمات الاستضافة.
ورأى رمضان، أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات، على المستخدم أن يتحقق دائمًا من مصدر التطبيق وألا يمنح صلاحيات مفرطة، وألا يُرسل صورًا أو مستندات حساسة لأى جهة مجهولة، أما على المستوى المؤسسي، فينبغى للجهات الرسمية أن تفرض تسجيلًا مركزيًا وإشرافًا صارمًا على التطبيقات المالية، وأن تلزم المطورين بكشف هويتهم وسجلهم القانونى قبل طرح أى منتج للجمهور، كما دعا إلى ضرورة وجود آليات تقنية وتشريعية لإيقاف التطبيقات المشبوهة بسرعة، وتجريم وسطاء البيانات وشبكات الابتزاز العابرة للحدود.
وختم رمضان، بالتأكيد على أن القروض السريعة قد تبدو حلًا اقتصاديًا عاجلًا للمواطن البسيط، لكنها فى غياب الرقابة والوعى تتحول إلى فخ إلكترونى خطير، يستنزف بيانات الأفراد وكرامتهم ومواردهم المالية، الأمر الذى يستدعى حملات توعية مجتمعية واسعة وتشريعات أكثر صرامة، إلى جانب تعاون دولى لحماية المواطنين من هذه الشبكات.
حصان طروادة
ويلتقط منه طرف الحديث د.محمد الظواهري، خبير الأمن السيبراني، والذى أكد أن انتشار تطبيقات القروض السريعة على الهواتف الذكية لم يقتصر دوره على تسهيل الوصول إلى السيولة المالية فحسب، بل تَحَوَّل فى كثير من الحالات إلى باب أمامى لسرقة البيانات واختراق الخصوصية، واصفًا هذه التطبيقات بأنها فى كثير من الأحيان بمثابة «حصان طروادة» داخل هواتف المُستخدمين، إذ تمنح هذه البرمجيات نفسها صلاحيات واسعة قد تُهدّد خصوصيات المُستخدم وحياته الاجتماعية والمهنية.
وأوضح الظواهرى، أن سهولة الحصول على القرض بضغطة زر تخفى وراءها قصصًا مظلمة؛ فبعض المُستخدمين اكتشفوا لاحقًا أنهم تعرضوا لابتزاز بعد سرقة بياناتهم من خلال التطبيقات، من بين المخاطر التقنية التى ذكرها، قدرة التطبيقات الخبيثة على الوصول إلى رموز التحقق الخاصة بالبطاقات البنكية (OTP) وقراءة الرسائل القصيرة التى تصل الهاتف، وبالتالى السيطرة الجزئية على قنوات المصادقة المالية، كما أن صلاحيات الوصول إلى الصور والملفات تتيح للجهات المشغلة الاحتفاظ بنسخ من محتويات حساسة ومن ثم استخدامها فى تهديد الضحايا أو نشرها.
وأضاف أن الوصول إلى جهات الاتصال يُمَكِّن الجانى من رسم خريطة للعلاقات الاجتماعية للمُستخدم، ما يفتح الباب أمام تهديدات فضح علنى أمام المعارف والأصدقاء والعائلة، لضغط الضحية على الدفع، بل إن هناك حالات يصف فيها الظواهرى قدرة بعض التطبيقات أو البرمجيات المصاحبة لها على التحكم فى شاشة الهاتف أو قراءة محتواها — وهو تطور خطير فى نوعية الامتيازات التى تُمنح دون وعى المُستخدم.
ونَوَّه الظواهرى، أيضًا إلى أن كثيرًا من هذه التطبيقات تعمل على خوادم مُشفّرة ومُستضافة خارج البلاد، ما يُصَعِّب بشكل كبير ملاحقة القائمين عليها من قبل جهات إنفاذ القانون المحلية، ولهذا السبب، يرى أن الملاحقة الفَعَّالة تتطلب تحالفًا دوليًا وتعاونًا مع مؤسسات مثل الإنتربول للحصول على الأدلة اللازمة وملاحقة شبكات الابتزاز العابرة للحدود.
على مستوى الوقاية، شدد الظواهرى على قواعد عملية وواضحة، عدم تحميل التطبيقات خارج المتاجر الرسمية، مراقبة تقييمات المُستخدمين وسجل المُطوِّر، مراجعة الصلاحيات قبل التثبيت، وعدم مشاركة البيانات الرسمية إلا مع تطبيقات رسمية ومرخَّصة. كما أكد أهمية تفعيل المصادقة الثنائية للحسابات المالية، وحذف التطبيقات المشبوهة فورًا والإبلاغ عن أى محاولات ابتزاز إلى الجهات المعنية.
أما عن الحلول المؤسسية والتشغيلية، فقد دعا إلى اعتماد استراتيجيات متعددة تشمل التعليم المتفاعل والوعى المستمر للمستخدمين، إنشاء شهادة فنية للتطبيقات المالية تضمن معايير أمان واضحة، وإطلاق منصات تمويل وطنية مرخَّصة تديرها جهة موثوقة تمنع الاستغلال، وحَذَّر من أن المُستخدم العادى يقبع غالبًا فى «المنطقة الرمادية» بين الحاجة للخدمة والجهل بمخاطر الصلاحيات، ما قد يُحَوِّل حياته إلى كابوس إن لم يكن هناك وعى وحماية تشريعية وتقنية.
وختم الظواهرى، تحذيره بالتأكيد على أن الوعى الرقمى لم يعد رفاهية بل ضرورة، وأن السماح لأنفسنا أن نكون «رهانًا» لمن يصمم هذه التطبيقات، يُشكّل خطرًا على الأمن الفردى وربما على الأمن القومى — مشيرًا إلى أن المادة 31 فى الدستور المتعلقة بأمن الفضاء المعلوماتى لا تقل أهمية عن حماية الأمن القومى التقليدي.. وفى النهاية، كَرَّر الدعوة إلى حل عملي، إنشاء منصات قروض وطنية مرخَّصة تُدار بواسطة جهة موثوقة، تضمن حماية البيانات وتمنع استغلال حاجة المواطن فى مكائد ابتزازية
فتح باب منزلك
فيما أكدت د.إيمان علي، مدرّبة الأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعي، أن التعامل مع تطبيقات القروض السريعة يتجاوز كونه مجرد تحميل برنامج بسيط، موضحةً أنها فى واقع الأمر منظومات متكاملة مخصصة لجمع البيانات واستغلالها، وأشارت إلى أن المشهد يشبه «فتح باب منزلك لشخص غريب ومنحه خريطة كاملة لكل ما تملك»، مشددةً على أن المُستخدمين لا يدرون حجم ما يمنحونه من صلاحيات عند الموافقة.
وأوضحت أن المرحلة الأولى فى استغلال هذه التطبيقات تتم عبر شاشة طلب الأذونات (Permissions) التى يتخطّاها المُستخدم بضغطة زر، مضيفةً أن التطبيقات الخبيثة تطلب صلاحيات لا علاقة لها بوظيفتها الأساسية، وأفادت أن أمثلة هذه الصلاحيات تشمل الوصول إلى جهات الاتصال لا لبناء قائمة تواصل فحسب بل لإنشاء «خريطة ابتزاز اجتماعية»، والوصول إلى الوسائط والصور لا للذاكرة وإنما للبحث عن مواد يمكن استخدامها لاحقًا فى الضغط أو التزييف العميق، وقراءة الرسائل النصية التى تُعدّ الأخطر لأنها تتيح سرقة رموز التحقق البنكى (OTP) وتحليل محتوى الرسائل لفهم الوضع المالى والعائلى للمُستخدم.
وأشارت د.إيمان، إلى أن الخطر ليس تقنيًا فحسب، بل نفسى أيضًا، مبرزةً ثلاث ثغرات يستغلها الجُناة: الحاجة الملحّة، الثقة الزائفة الناتجة عن واجهات جذابة، والجهل التقنى الذى يجعل المُستخدم يوافق على صلاحيات لا يدرك عواقبها، وختمت بالقول إن الذكاء الاصطناعى يُوظَّف حاليًا لتحويل هذه البيانات إلى ملفات تنميط ائتمانى وابتزازي، ولتحليل الشبكات الاجتماعية بهدف استهداف المقربين من الضحية بشكل منهجى عند التعثر فى السداد.
شبكات إجرامية
كما أكد د.هيثم طارق، خبير الذكاء الاصطناعى والناشر الدولى فى مجال التأمين ضد الاختراق الإلكتروني، أن التطبيقات الخبيثة التى تختبئ خلف واجهة القروض ليست مجرد برامج عادية، بل تعمل كشبكات إجرامية منظمة تستخدم تعقيدات تقنية وقانونية تُصعِّب ملاحقتها، وأكد طارق أن التشتت الجغرافى — حيث يكون المُطوّر فى دولة، والخوادم فى أخرى، ومراكز التحصيل فى ثالثة — يزيد من صعوبة الإجراءات القضائية، مشيرًا إلى أن استخدام شركات واجهة وهمية ووسائل تخفى تقنية مثل VPNs وبروكسيات والعملات المشفّرة يُعَمِّق هذه المشكلة.
وأوضح طارق أن المواجهة الناجحة تتطلب أدوات فنية وقنوات تعاون محدّدة، وأضاف أن ذلك يشمل دعم فرق التحليل الجنائى الرقمى لاستخراج شيفرة التطبيق (reverse engineering) وكشف عناوين الخوادم، وتتبع مسار الأموال عبر التعاون مع الوحدات المالية الاستخباراتية ومنصات العملات المشفّرة — مشددًا على أن مبدأ «اتبع المال» هو القاعدة الذهبية، وأشار أيضًا إلى ضرورة تفعيل الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية بودابست لتسهيل تبادل الأدلة الرقمية، والتعاون مع شركات كبرى مثل Google وApple لحذف التطبيقات المشبوهة من المتاجر سريعًا..
وبالنسبة للدور الوقائي، لفت طارق إلى أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبَيَّن أن شركات التأمين والبنوك يمكن أن تلعب دورًا محوريًا فى رصد الأنماط المالية غير الطبيعية والإبلاغ الفوري، وأضاف أن الحلول التقنية تشمل تطوير آليات تعاون قانونية سريعة لتجميد الحسابات المصرفية أو محافظ الدفع المرتبطة بالجرائم، ومشاركة مؤشرات التهديد (IOCs) بين الجهات الأمنية وشركات الأمن السيبراني، وختم د.هيثم طارق، بالتحذير من أن الملاحقة ممكنة لكنها تستلزم قوة تقنية دولية وعملية قانونية سريعة لقطع دروب التمويل عن هذه الشبكات وإحضار مرتكبيها إلى العدالة.
رفع الوعى
وفى هذا السياق، حَذَّر اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، من خطورة تطبيقات القروض عبر الهواتف المحمولة، واصفًا إياها بأنها «محل شك» كونها تستغل عوز المواطنين وضعف وعيهم، وأوضح أن هذه التطبيقات تقوم بجمع بيانات شخصية وحساسة للمُستخدمين، ثم تُقرضهم مبالغ صغيرة نسبيًا – قد لا تتجاوز خمسين ألف جنيه – لكنها تُورطهم لاحقًا فى مديونيات ضخمة تفوق قدراتهم على السداد.
وأكد الرشيدى، أن الحل يكمن فى رفع وعى المواطنين بالتوازى مع دور الجهات الرسمية فى الرقابة والتتبع، مشيرًا إلى أن القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يُجَرِّم هذه الأفعال، لاسيما ما يتعلق بالاستيلاء على البيانات الشخصية، أو استخدامها فى التشهير والابتزاز أو تحقيق مكاسب غير مشروعة.
خطر مزدوج
على الجانب الآخر، أكد الدكتور يسرى طاحون أستاذ الاقتصاد بجامعة طنطا، أن انتشار تطبيقات القروض السريعة غير المرخصة، يمثل خطرًا مزدوجًا على الاقتصاد القومى وعلى استقرار الأفراد المالي، وأوضح أن هذه التطبيقات تعمل خارج الإطار الرسمي، وتفتقد لأى رقابة، ما يفتح الباب أمام ممارسات غير عادلة مثل فرض فوائد فاحشة ورسوم خفية، إضافة إلى استغلال بيانات المستخدمين وتهديدهم.
وأضاف طاحون، أن الفوائد المبالغ فيها التى تفرضها هذه التطبيقات تؤدى إلى استنزاف دخول الأفراد، وتدفع كثيرين إلى الدخول فى دائرة مفرغة من الاستدانة، وهو ما يضر بشكل مباشر بمستوى الإنفاق والاستهلاك، ويؤثر بالتالى على النشاط الاقتصادى الكلي.
وأشار إلى أن الأمر لا يتوقف عند الجانب الفردي، بل يمتد إلى الإضرار بالتصنيف الائتمانى (I-score) للمواطنين، ما يحرمهم لاحقًا من الحصول على قروض أو تسهيلات مالية من البنوك الرسمية، ويزيد من فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.. وشدد الخبير الاقتصادى، على أن الحل يكمن فى إنشاء منصات وطنية موثوقة للقروض الرقمية، تخضع لإشراف ورقابة البنك المركزي، وتمنح قروضًا بفوائد منخفضة ومدروسة، بحيث تلبى احتياجات المواطنين بشكل مشروع وآمن.. واستكمل: «لابد أن تتحرك الدولة بخطة منظمة لتقنين هذا القطاع، فمن غير المقبول أن يظل المواطن عُرضة لتطبيقات مجهولة قد تعمل من خارج البلاد، إذا أردنا حماية الاقتصاد والمجتمع، فعلينا أن ندمج هذه الخدمات المالية ضمن النظام الرسمي، بما يضمن الشفافية والعدالة ويعيد الثقة للمواطن».
حلقة مفرغة
فيما أكدت د.نيفين حسني، استشارى علم النفس الرقمي، أن تطبيقات القروض الفورية مثل Money Box وأمثالها لا تُعد مجرد خدمات مالية، بل أدوات رقمية صُممت خصيصًا لاستغلال سلوكيات الإنسان فى البيئة الرقمية، وأوضحت أن سهولة الوصول والقبول الفورى يُولِّدان شعورًا بالراحة الزائفة، تدفع المستهلك إلى اتخاذ قرارات متسرعة دون التفكير فى العواقب، خاصة مع الإغراءات البصرية للألوان والشعارات التى توحى بالثقة وتقلل من الحذر الطبيعى تجاه الاقتراض.
وأشارت حسنى، إلى أن الضغط الزمنى للسداد يُحَوِّل حياة المُستخدم إلى دائرة من التوتر والقلق، حيث يلجأ الكثيرون إلى قروض جديدة لتغطية القديمة، مما يدخلهم فى حلقة مفرغة من الديون، وأضافت أن بعض التطبيقات تمارس ضغوطًا اجتماعية قاسية عبر التواصل مع جهات الاتصال الخاصة بالمُستخدم المُتعثر، وهو ما يضاعف الأثر النفسى والاجتماعى ويزرع الخوف من الفضيحة.
ولفتت استشارى علم النفس الرقمي، إلى أن أخطر التأثيرات النفسية لهذه التطبيقات تشمل القلق والاكتئاب نتيجة الضغط المستمر، وإحساسًا بالذنب والفشل عند الاستدانة المتكررة، فضلًا عن تدهور العلاقات الاجتماعية بسبب تدخل شركات التحصيل أو كشف البيانات، وصولًا إلى ما يمكن وصفه ب «إدمان الاقتراض»، حيث يصبح القرض وسيلة لإشباع الاحتياجات الفورية دون حل جذور المشكلة المالية.
ظاهرة دولية
وشددت د.نيفين، على أن هذه الظاهرة لم تقتصر على مصر، بل ظهرت بوضوح فى دول مثل الهند والصين، حيث ربطت دراسات علمية بين انتشار تطبيقات القروض الفورية وزيادة مُعدلات القلق والاكتئاب، بل وحالات انتحار فى بعض الظروف القصوى، نتيجة ممارسات التحصيل القاسية وارتفاع الفوائد..
وأضافت أن المخاطر المالية تتجلى فى الفوائد والرسوم الخفية المرتفعة التى تفوق قدرة المستفيد، إلى جانب استغلال البيانات الشخصية وصلاحيات الهاتف، وتأثير سلبى مباشر على التقييم الائتمانى للمُستخدم..
وحول سُبل الوقاية، دعت حسنى إلى تعزيز الوعى الرقمى والمالى لدى الجمهور، والتريّث 24 ساعة قبل اتخاذ قرار الاقتراض مع استشارة مقربين موثوق بهم، وعدم التعامل إلا مع جهات مرخصة تضمن الحماية القانونية، مع الحرص على عدم منح أى صلاحيات غير ضرورية للتطبيقات، وطلب الدعم النفسى والاجتماعى عند التعرّض لأى ضغط أو ابتزاز.
واختتمت بالتأكيد على أن «برامج القروض الفورية ليست مجرد خدمات مالية، وإنما أدوات رقمية تستغل الحاجات النفسية والضغوط الاجتماعية، لتجعل الأفراد أكثر عُرضة للقرارات المتهورة، وأن الوعى بهذه الآليات هو خط الدفاع الأول لحماية الصحة النفسية والاستقرار المالى».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.