قد يظن البعض أن وزارة الخارجية بعيدة عن اهتمامات المواطن البسيط، وأن ملفاتها تدور فقط في أروقة السياسة الدولية ودوائر الدبلوماسية المغلقة.. لكن تجربة الدكتور بدر عبد العاطي كسرت هذه الصورة النمطية، وأعادت ربط الدبلوماسية المصرية بالشارع. بشخصية مصرية وطابع صعيدي يحمل الحزم والصدق، استطاع الوزير بدر عبدالعاطي، أن يخلق حالة من القبول لدى رجل الشارع البسيط، رغم أنه يتولى حقيبة غير خدمية، فخطابه المباشر، ولغته المفهومة، وتحركاته التي تعكس انحيازًا واضحًا لمصالح الدولة المصرية. وعلى المستوى الدولي يتمتع بدر عبد العاطي، بسمعة دبلوماسية قوية، عززتها خبراته الطويلة وإدارته المتوازنة لملفات مُعقدة في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، لكنه لم يكتفِ بإدارة السياسة الخارجية، بل حرص على شرحها وتبسيطها للرأي العام. ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة، إصدار وزارة الخارجية للكتاب الأبيض، الصادر بعنوان «الاتزان الاستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات»، في خطوة تعكس نهجًا جديدًا قائمًا على الشفافية والتوثيق. ويُعد الكتاب الأبيض مرجعًا مهمًا يشرح مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» الذي أرساه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والقائم على تنويع الشراكات، وعدم الارتهان لمحور واحد، وتحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والمتغيرات الدولية. ويستعرض الكتاب أطر التحرك المصري في الدوائر العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية والدولية، ويرصد دور الدبلوماسية المصرية في دعم مسارات السلم والأمن، وتسوية النزاعات، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والبيئية، إلى جانب الانخراط الفاعل في المنظمات الإقليمية والدولية. كما أطلقت الوزارة مبادرة جديدة تهدف لتسليط الضوء على مختلف جوانب العمل الدبلوماسي والقنصلي بوزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، واستعراض ما تقوم به الوزارة من مهام وأنشطة وبرامج لخدمة المصالح الوطنية والمواطنين المصريين في الداخل والخارج، وشرح محددات السياسة الخارجية المصرية وتحدياتها؛ فأطلقت الوزارة في أكتوبر الماضي، بودكاست بعنوان "دبلوكاست Diplocast"، يشكل منصة رقمية جديدة تتيح لمسؤولي وأعضاء الوزارة استعراض الدور الحيوي الذي تضطلع به الدبلوماسية المصرية على المستويين الإقليمي والدولي في دعم المصالح الوطنية المصريون في الخارج أولوية في تحول لافت، وضعت الوزارة المصريين في الخارج في صدارة أولوياتها، خاصة عقب دمج وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج ضمن حقيبة الخارجية. وأصبحت رعاية الجاليات والتواصل المباشر معهم جزءًا أصيلًا من التحرك الدبلوماسي، حيث تحرص السفارات والقنصليات على عقد لقاءات دورية مع أبناء الجاليات، فيما يضع الوزير لقاء المصريين بالخارج بندًا ثابتًا على أجندة زياراته الخارجية. كما أطلقت الوزارة عددًا من المبادرات لدمج المصريين بالخارج في خطط التنمية الوطنية، سواء عبر تشجيع الاستثمار، أو نقل الخبرات، أو تعزيز الروابط الثقافية والوطنية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لقوة «القوة الناعمة» المصرية المنتشرة حول العالم. الدبلوماسية الاقتصادية وفي ظل تحديات اقتصادية عالمية وإقليمية ضخمة، لم تقتصر جهود وزارة الخارجية على العمل السياسي والدبلوماسي التقليدي، بل تبنت مسارًا متقدمًا للدبلوماسية الاقتصادية، واضعة جذب الاستثمارات وفتح الأسواق الجديدة في مقدمة أولوياتها. فشهدت الفترة الماضية تحركًا نشطًا لتعزيز الشراكات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، ودول الخليج، وروسيا، والصين، والولايات المتحدةالأمريكية إلى جانب توسيع التعاون مع التكتلات الاقتصادية الكبرى مثل «البريكس»، بما يخدم أهداف الدولة في تنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتعميق التصنيع المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة. كما لعبت الخارجية دورًا في الترويج للفرص الاستثمارية في قطاعات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في إطار رؤية تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية، وهو ما تكلل بالنجاح مؤخرا بضم حقيبة التعاون الدولي للخارجية. عودة قوية إلى أفريقيا وفي القارة الأفريقية، تواصل مصر عودتها القوية والفاعلة، فمصر لم تعد مجرد طرف في القارة، بل شريك رئيسي في التنمية، بدعم مشروعات البنية التحتية، ونقل مصر خبراتها في الزراعة والري، وساهمت في تدريب الكوادر، إلى جانب دورها الواضح في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار في الساحل والقرن الأفريقي، عبر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، فالقاهرة تدرك أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة. كما عززت مصر دورها في دعم السلم والأمن بالقارة، والمشاركة في جهود تسوية النزاعات، وتدريب الكوادر الأفريقية في مجالات مكافحة الإرهاب، في خطوة تدل على إدراك مصر لانعكاسات ذلك على الأمن القومي المصري والأفريقي، لتتحرك الدبلوماسية المصرية في أفريقيا وفق مقاربة شاملة تربط الأمن بالتنمية. في الختام، نجح الدكتور بدر عبد العاطي في تحقيق معادلة صعبة بتقديم نموذج لوزير خارجية قريب من نبض الشارع بحضور قوي قادر على ترجمة المفاهيم الاستراتيجية إلى خطاب مفهوم للمواطن، وفي الوقت ذاته حافظ على مكانة مصر الدولية وتوازنها الدقيق في عالم شديد الاستقطاب. ليجعل د. بدر عبدالعاطي بدبلوماسيته الفريدة الدبلوماسية المصرية قوية في الخارج صاحبة كلمة وصوت مسموع في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الإقليم، وذات حضور مفهوم ومُطمئن في الداخل، فلم تعد الدبلوماسية شأنًا نخبويًا مغلقًا، بل جزءًا من معادلة الأمن والتنمية والوعي الوطني.