منذ أسابيع، كنت مع السفير عبدالله الرحبى سفير سلطنة عمان فى القاهرة، وهو أحد أنشط السفراء العرب فى القاهرة، نتيجة خبرات واسعة ومتراكمة فى العمل الدبلوماسي، مضافاً إليها ممارسة العمل الإعلامي، بعد عمله صحفياً لسنوات طويلة فى صحيفة «عمان»، حيث تولى مسئولية رئاسة التحرير والإدارة، يومها تناقشنا حول رؤيتى لتراجع الدور العمانى فى الوساطة بين إيرانوواشنطن، نتيجة دخول أطراف أخري، حيث تحفظ السفير على الفكرة، وتحدث مطولاً عن فلسفة دور الوسيط العمانى وآلية عمل دبلوماسيتها، التى تستند إلى تهيئة الظروف المناسبة والملائمة لإنجاح المهمة، والحرص على العمل بعيداً عن الضجيج الإعلامي، والالتزام بالصمت لحين نجاح المهمة، وتحدث عن أن بلاده لا تنكر على أحد جهوده الخيرة، ولكنها تتعامل مع دور الوساطة ليس خياراً مؤقتًا ، بل منهجية عمل راسخة مستمرة، تعى متى تتدخل؟، ومتى تلتزم الصمت؟ فالأمر- كما قال - يخضع لحسابات دقيقة. تذكرت هذا الحوار، وتلك المناقشة، مع بدء الجولة الأخيرة من المفاوضات يوم الجمعة الماضى بين الطرفين، وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي، والأمريكى برئاسة مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مع مشاركة ملحوظة - وكأنها رسالة طهران - من الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية، حيث نجحت طهران فى إحراز أولى نقاطها فى هذه المواجهة، عندما أصرت على أن تكون اللقاءات ثنائية وفى سلطنة عمان، دون تدخل أى أطراف أخري، بعد أن راجت تقارير عن استبدال مسقط باسطنبول، وهذا الحرص يعود إلى ثقة كبيرة من الطرفين، الإيرانى بالأساس، والأمريكى بالضرورة، وبالخبرة المكتسبة فى ملفات سابقة، فى قدرات الوسيط العماني، ليس اليوم ولكن عبر عقود طويلة، حيث ترسخت مند تولى السلطان قابوس الحكم عام 1970، على ثلاثة مبادئ، الحياد والوساطة وعدم التدخل فى شئون الدول الأخرى، مع الحرص على البعد عن المظاهر أو البريق الإعلامي، وهو نفس النهج الذى يستكمله السلطان هيثم بن طارق، حيث نجحت الدبلوماسية العمانية - بقيادة وزير الخارجية بدر البوسعيدى - فى استضافة حوار سابق بين إيرانوأمريكا فى منتصف العام الماضي، عبر خمس جولات جرت وقائعه بين مسقط وروما، فى ظل خلاف بين الطرفين، حيث طالبت طهران بعقد مباحثات تستمر أسابيع لحسم القضايا المعلقة، بينما طالبت واشنطن بجلسات قصيرة، شهدت خلالها دوراً أوسع، بطرح مقترحات عمانية على الطرفين، وضاع هذا الجهد على وقع ضربة ال 12يوماً فى يونيو الماضي، وبدأتها إسرائيل، وشاركت فيها أمريكا، واستهدفت أهدافاً نووية وعسكرية ومواقع مدنية، وأسفرت عن مقتل 1000 شخص، بينهم علماء ذرة وقادة عسكريون، ودخل ملف المفاوضات إلى دائرة النسيان، حتى تدخلت واشنطن بعد الاحتجاجات الشعبية على تدهور الاقتصاد الإيراني، وبدأت فى حشد قواتها فى المنطقة بشكل غير مسبوق. وانتهت جولة المفاوضات الأولى يوم الجمعة، وسط تفاؤل حذر، ظهر فى ردود وتصريحات قادة البلدين، حيث أعلن ترامب أنها (أحرزت تقدماً إيجابياً)، وأنه يشعر بأن إيران (معنية فعلياً بالتوصل إلى اتفاق)، ومن جهته تحدث عباس عراقجى إلى الحاجة لبناء الثقة، ولكنَّ تحركاً مفاجئاً ساهم فى خلط الأوراق، حيث دخلت إسرائيل على الخط، بعد شعورها بالقلق مما بجرى فى العاصمة العمانية، حيث استعجل نتنياهو زيارة كانت مقررة له لواشنطن في19فبراير الحالي، للمشاركة فى إعلان مجلس السلام، وطلب بعد يوم من مفاوضات مسقط، لقاء ترامب الذى سيتم (اليوم) الأربعاء، حيث يصطحب معه قادة عسكريون وأمنيون، فى محاولة لاختراق الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي، التى لا تميل إلى الخيار العسكري، وكان هذا واضحاً من الهجوم الإعلامى الإسرائيلى على ستيف ويتكوف، ووصفه بأنه (مقاول عقارات ضحل الخبرة فى الملف الإيراني)، ويضم أيضاً كوشنر، ومبعوثى الإدارة فى لبنان وسوريا، تدعو هذه المجموعة القريبة من ترامب، إلى حلول إبداعية، والاستمرار فى سياسة فرض الضغوط القصوى، لتحقيق مكاسب وتنازلات سياسية من طهران، دون التورط فى حرب، يمكن أن تشعل المنطقة بأكملها. و تخشى تل أبيب أن يتوصل الطرفان إلى صفقات منقوصة، واتفاق محدود يعطى ترامب فرصة إعلان أنه حقق إنجازاً مهماً، أو يبقى الحال على ما هو عليه، أو التعايش بين البلدين دون اتفاق، بينما ترى أن المنطقة أمام لحظة استثنائية قد لا تتكرر، من خلال هذا الحشد العسكرى الأمريكى غير المسبوق، بوجود ما بين30 إلي50 ألف جندى فى المنطقة، وحاملة الطائرات إبراهام لينكولن، وطائرات مقاتلة متطورة من طراز إف 35، وطرازات متطورة من إف 15 إيه، ومنظومات الدفاع الجوي، وتعتبر أن الحل العسكرى هو السبيل الوحيد، لتحقيق كل مطالبها، التى تتلخص فى الإلغاء الكامل للمشروع النووى الإيراني، وتصفير عملية تخصيب اليورانيوم، وإخراج المخزون الحالي، مع عودة المفتشين الدوليين من وكالة الطاقة الذرية، وتشديد عمليات الرقابة، مع تحديد مدى الصواريخ ب 300 كيلو، وإنهاء الدور الإقليمى لإيران، وتفكيك المحور الشيعي، الذى عانت منه كثيراً خلال العامين الماضيين، وكلها شروط شبه مستحيلة، وهو ما عبر عنه عباس عراقجي، الذى كشف عن رؤية بلاده التى لن تقبل أبداً بتصفير تخصيب اليورانيوم، ولا يمكن التنازل عن البرنامج النووى السلمي، وقال إن البرنامج الصاروخى غير مطروح على طاولة المفاوضات، وقد يكون هناك تنازل إيرانى فى قضية التخلى عن أذرعها الخارجية، بعد أن فقدت قدرتها العسكرية خلال السنوات الماضية، وأصبحت عبئاً عليها، أكثر من القدرة على اعتبارها أوراق تفاوض، وكذلك تخفيض نسبة التخصيب الذى وصل إلى 60 بالمائة، وهى بذلك على عتبة تصنيع أسلحة نووية. وبعد، فإن الأيام، بل الساعات القادمة، قد تكون الأهم، فنحن أمام (ماراثون سياسي، بين توجهين)، (الأول) من (مسقط)، التى تبذل كل جهودها لمساعدة الدولتين للتوصل إلى اتفاق، حيث زارها بالأمس الثلاثاء على لاريجانى مستشار المرشد على خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ولم يكن على جدول أعماله، سوى بحث آليات تحقيق التقدم فى المفاوضات، وقد يكون قد حمل معه جديد فى ذلك، وبين تيار(الحرب) من تل أبيب، التى تسابق الزمن لإقناع ترامب بالذهاب إلى الحل العسكري، أو السماح لها بالقيام بالهجوم منفردة، والجميع فى انتظار قرار ترامب.