الاستعداد لرمضان يبدأ من «النفى» .. أن تنفى من عقلك فكرة أنك محور الكون، وأن تدرك أنك مجرد عابر سبيل.. وأن التغيير ممكن .. لكن المشكلة ليست فى القدرة بل فى الإرادة يقول العارفون «لا يستقر النور فى قلب ملأه الغبار».. ولذا بدأت فى محاولة بائسة وصادقة تنظيف ركام عام، استعدادا لرمضان. نظرت إلى مكتبى، وإلى أوراقى المبعثرة، وشعرت أن النفس تشبه هذه الغرفة تماما، ممتلئة بأشياء لا تحتاج إليها، ومزدحمة بذكريات تثقل الكاهل. قبل أن يطل هلال رمضان بأيام، يكون القلب قد سبقه شيء خفى يتحرك بداخله، كأن الروح تتهيأ لزيارة قديمة تعرف طريقها جيدا، لكنها فى كل مرة تدهشها كأنها أول مرة. أختلى بنفسى فى هذه الأيام التى تسبق الشهر الكريم، وأتأمل حالى.. وأسأل نفسى: ماذا بقى منك للآخرة؟ وماذا أثقل كاهلك من الدنيا؟.. وتأتى الاجابة بأن الأيام العادية ترهق الروح دون أن تشعر، وأن الصيام ليس امتناعا عن الطعام والشراب، بل استراحة محارب عاد من معركة طويلة مع الشهوات الصغيرة، تلك التى لا ترى لكنها تستنزف العمر. فى هذه الأيام أفضل الجلوس وحيدا، لا لأننى زاهد، ولكن لأن الضجيج صار أثقل من أن يحتمل، لأكتشف أن أكثر ما احتاجه قبل رمضان هو الصمت.. صمت أسمع فيه نفسى، وأرى وجهى كما هو بدون أعذار.. فأنا مثل الكثيرين أعيش العام كله فى سباق، حتى أننى أنسى أحيانا إلى أين؟ ولماذا؟. ويأتى رمضان ليطرح هذا السؤال بشدة أين نحن؟ يطرحه بالجوع والعطش والقيام، وباللحظة التى تجلس فيها على مائدة الإفطار، فتدرك أن النعمة التى اعتدت عليها كانت معجزة يومية لم نشكرها حق شكرها. قبل رمضان أراجع سجل أيامي، فأجده مثقلا بصغائر لا تحصى.. كلمة قاسية هنا، ونظرة متعالية هناك، تأجيل لخير كنت أستطيع فعله.. أو الامتناع عن جبر خاطر محتاج.. واكتشف أن رمضان لا يأتى ليحاسبنا، بل ليمنحنا فرصة إعادة المحاولة.. كأنه يقول ما فات صعب إصلاحه، لكن ما هو آت مازال فى يدك. قبل رمضان أراجع علاقتى بالوقت.. لأكتشف أن ما أضيعه ليس المال، بل الساعات.. ورمضان برغم قصر أيامه، يعلمنى كيف يتسع الزمن حين يبارك الله فيه.. وأن ركعتين فى جوف الليل قد تصلحان ما أفسدته شهور من الغفلة.. وآية تقرأ بتدبر قد تغير زاوية الرؤية كلها. قبل رمضان أتذكر فريضة الصيام كما لو كانت درسا سنويا فى التواضع.. فالله لا يحتاج إلى جوعنا، لكنه يريد قلوبنا.. يريد أن نكسر ما اعتدنا عليه، أن نخلع ثياب اللا مبالاة، وأن ندرك أن التحكم فى الشهوة هو أول الطريق إلى الحرية. قبل رمضان أتساءل: ماذا أريد من هذا الشهر العظيم؟ فأجدنى لا أريد فقط ختم القرآن، بل أن يختم القرآن شيئا فى ذاتى.. لا أريد فقط صلاة التراويح، بل أن يلين قلبى فى السجود.. لا أريد فقط صدقة تحسب، بل رحمة تزرع.. لا أريد فقط الصوم، بل أتعلم معنى السيطرة.. أدرك قيمة أن أقول «لا» حين تكون «نعم» أسهل.. أن أتذكر الله حين يغيب الرقيب البشرى، حتى تنجلى الحكمة العميقة.. فالصيام عبادة سرية، لا يرانى فيها إلا الله.. ولذلك كان جزاؤها مفتوحا بلا حساب. فى هذه الأيام أجدنى أفكر كثيرا فى الزكاة.. باعتبارها ليست رقما يخصم من الحساب البنكي، بل تطهير للنفس قبل المال.. الزكاة تخبرك بهدوء، بأن هذا المال ليس كله مالك.. ففى مالك حق معلوم.. وفى يدك أمانة.. ومن حكمة الله أن جعل الزكاة قرينة الصلاة، فمن وقف بين يدى الله خاشعا، لا يجوز أن يمر على عبادة قاسيا. ضيف كريم رمضان لا يأتى فجأة، بل يرسل نفحات استباقية، ويطرق الباب برفق، ويقول لنا استعدوا.. فالضيف كريم لكنه لا ينتظر المتكاسلين. رمضان ليس شهر الجوع، بل شهر اعادة الترتيب، فيه تعود الأشياء إلى أحجامها الطبيعية، المال وسيلة لا غاية، والجسد خادم لا سيد، والوقت نعمة لا تهدر، ولعل أجمل ما فى الصيام أنه يضع الانسان وجها لوجه مع ضعفه، فمن كان يظن نفسه قويا، يكتشف أن كوب ماء قد يسقطه، ومن كان يظن نفسه غنيا، يدرك أن قطعة خبز تساوى الدنيا. رمضان يوقظ فينا حس المشاركة.. حين تجوع تفهم معنى أن يجوع غيرك طوال العام.. وحين تحسب زكاتك، تدرك أن الفقر ليس قصة تروي، بل حياة تعاش.. لذلك كانت الزكاة فى رمضان أكثر قربا إلى القلب، لأنها تأتى فى زمن صفاء، حيث تقل الضوضاء وتعلو الأسئلة الكبري، ماذا قدمت؟ وماذا أبقيت؟ فالدين ليس طقوسا معزولة عن الحياة، بل طريقة ذكية لفهمها.. ورمضان هو التطبيق العملى لهذه الفكرة.. فيه تصوم، لكنك تعمل.. تتعبد، لكنك تعيش. لا تهرب من الدنيا، بل تهذب علاقتك بها.. وكأن الشهر الكريم يقول لك.. خذ منها بقدر وأترك لها ما يشغلك عن الآخرة.. فالصائم الحقيقى ليس من جاع بطنه، بل من شبع ضميره، ونام قلبه مطمئنا لأنه لم يظلم أحدا فى نهاره. رمضان لا يطلب منك أن تكون ملاكا، بل انسانا واعيا.. واعيا بضعفه، محتاجا إلى ربه، متواضعا أمام الحقيقة الكبري، يعلم أنه عابر سبيل، وأن الدنيا ليست وطنا بل محطة.. فرمضان شهر البشر الذين يحاولون.. والذين يخطئون ثم يعودون، الذين يتعثرون لكنهم لا ييأسون. رمضان يعيد تعريف الغني.. فالغنى ليس من يملك الكثير بل من يحتاج القليل.. يعلمنا القناعة لا كفكرة أخلاقية، بل كتجربة جسدية وروحية.. ففى ليالى رمضان تقف بين يدى الله بلا وسائط، ولا شهود، ولا تصفيق، ولا أقنعة.. فقط أنت وهو، وهنا يهتز القلب، ليس خوفا، بل انكشافا.. ترى نفسك كما لم ترها من قبل خليطا من النية الطيبة والتقصير المزمن.. ومع ذلك يفتح لك الباب.. لتدرك أن التغيير ممكن.. وأن المشكلة ليست فى القدرة بل فى الإرادة.. ورمضان يأتى ليقوى هذه الإرادة بالجوع، والنفحات والاحساس أنك لست وحدك فى الطريق. رسائل ونفحات لعلنا نعلم أن نفحات رمضان ليست طقسا موسميا، بل رسائل.. أولها أن الإنسان أضعف مما يتصور، وأقوى مما يظن.. ضعيف أمام شهوة عابرة، وقوى حين يمتنع عنها فالصيام ليس كسرا للجسد بل تحرير له من طغيانه. أما النفحة الأعمق فهى تلك التى تمس القلب لا السلوك فقط.. حيث تكتشف أن العبادة ليست حركات، بل حالات، وأن ركعة واحدة بخشوع تساوى عمرا.. وأن دمعة صادقة فى جوف الليل قد تمحو قسوة تراكمت لسنوات. نفحات رمضان لا تنتظر الهلال فقط، انما تبدأ حين تنوي، حين تقول فى سرك، سأكون أفضل، سأغض بصري، وأخفف لساني، وأتصدق مماأحب.. هنا يبدأ الصيام الحقيقي، أما الامساك عن الطعام والشراب، فذلك أيسر الدروس.. فأصعب ما فى رمضان ليس الامتناع عن الطعام، بل هو صوم الجوارح، كيف أصوم عن الغضب؟.. كما أن رمضان يعلمنا التواضع.. فنحن مجرد ذرات فى ملكوت الله، تنتظر نفحة من نفحات فضله. أعظم ما فى رمضان أنه لا يقصى أحدا.. المذنب مرحب به، والتائب محتفى به.. والمتمرد مشمول بالعفو.. إنه شهر الفرص المتساوية.. حيث الميزان ليس بما كنت، بل بما تنوى أن تكون. يجب أن ندرك أن الإيمان رحلة عقل وقلب معا.. ورمضان هو موسم هذه الرحلة، فيه نفهم أن الدين ليس هروبا من الواقع، بل شفاء له.. وأن الصيام لا يعطلك عن العمل، بل يصحح نيتك فيه.. وأن الزكاة لا تفقرك، بل تحميك من عبودية المال.. ونتعلم أن الجسد دابة نركبها لنصل إلى الله، فإذا تحكمت الدابة فى الفارس، ضاع الطريق. وأنا أكتب هذه اليوميات قبل أيام من رمضان، أشعر أن قلبى مرتبك قليلا، ومشتاق كثيرا، أشعر أننى أقف على عتبة باب عتيق كلما دخلته خرجت أخف حملا.. أعرف أننى سأقصر، وأننى سأنسى أحيانا، لكن يكفينى أن النية حاضرة، وأن الباب مفتوح، وأن الله لا يمل العطاء، حتى وأن مللنا من المحاولة. وأخيرا أتوجه إلى المولى عز وجل، قد أقبل ضيفك، وليس لى من زاد إلا فقرى، فاجعلنى ممن صام بقلبه قبل بطنه، وقام بروحه قبل جسده.