أوليفر وينرايت ترجمة: رمزى ناري لطالما ألهم هذا الصرح المهيب، الذى يُعتقد أنه شُيّد حيث خلق الله آدم، خيالات على مدى ألفى عام والآن، ابتكر الفنان بابلو برونشتاين مزيجًا غير تقليدي، مزخرفًا بتماثيل جارجولات بلحى زرقاء، متخيّلًا كيف كان مظهر ذلك الصرح فى الماضي لم يسبق لأى مبنى أسطورى أن أثار العديد من التساؤلات حول شكله أكثر مما أثاره هيكل سليمان فى مدينة القدس يُقال إنه بُنى نحو عام 950 قبل الميلاد، فوق التلّة التى خلق فيها الله آدم، ودُمر بعد 400 عام على يد البابليين الغُزاة ولكن، باستثناء بعض الأوصاف غير المتسقة فى الكتاب المقدّس الى كُتب بعد قرون من تدمير الهيكل، لا يوجد دليل أثرى يثبت أن هذا الصرح المهيب قد وُجد. ومع ذلك، على مدى أكثر من ألفى عام، تماحكت أجيال من المعماريين وعلماء الآثار والمفكرين حول مظهر هذا المبنى لقد ناقشوا ارتفاعه وعرضه بدقة، وتخيّلوا تصميم أعمدته، وتجادلوا فيما بينهم حول طبيعة رواقه. لقد ألهم هذا المبنى الأسطوري، المعروف أيضًا باسم الهيكل الأول، كل شيء، من قصر ملكى فى إسبانيا من عصر النهضة، إلى كنيسة عملاقة حديثة فى البرازيل، إلى التصميمات الداخلية لمحافل ماسونية حول العالم – جميعها مبنيّة وفق خيال جامح. يقول الفنان الأرجنتينى بابلو برونشتاين وهو يقف أمام رسوماته الجديدة الضخمة التى تُجسّد الشكل الذى ربما كان سيبدو عليه هيكل سليمان ومحتوياته: «إنه حقًا يبرز جنون العظمة» ويضيف: «لقد استُخدم هيكل سليمان، على مدى 2500 عام، كرمز تُسقِط عليه القوى المختلفة أوهامها الجنونية عن السلطة والعظمة الذاتية، بل أجد الأمر مثيرًا للاهتمام للغاية – خصوصًا وأن القصة برمّتها مُلفّقة بالكامل». منذ فترة طويلة كانت أعمال بابلو برونشتاين تتعامل مع القوة الاستفزازية التى يمكن أن تُحدثها الصور المعمارية. فقد سخر من المنازل البريطانية ذات الطابع شبه الجورجي، وقدّم رسومًا غرائبية للجحيم، الذى تخيّله كمدينة عرض مليئة بالآثار والتماثيل الصارخة، التى تليق بأكثر الطغاة ابتذالًا لكن موضوع عرضه الأخير، ومكانه، وتوقيته العفوى قد يكون أشدّ إثارة وحساسية. إن الرسومات التخيلية التى رسمها برونشتاين للموقع الأكثر قدسية فى اليهودية معروضة الآن فى قصر «وادِسدون مانور»، وهو قصر فرنسى ضخم بُنى فى باكينجهامشاير فى تسعينيّات القرن التاسع عشر كمقرّ حفلات نهاية الأسبوع لعائلة روتشيلد – وهى عائلة مصرفية ثرية للغاية، ساهمت بشكل كبير فى تأسيس دولة إسرائيل وقد موّل البارون دى روتشيلد – وهو ابن العم الفرنسى للبارون فرديناند، الذى بنى قصر وادِسدون – العديد من المستوطنات المبكرة فى فلسطين، وأسس الجمعية اليهودية للاستعمار فى فلسطين عام 1924، التى أدارها ابنه جيمس الذى ورث القصر. عندما كُتب وعد بلفور عام 1917، الذى أعلن دعم الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، وُجّه إلى والتر روتشيلد، ابن شقيق فرديناند، عالم الحيوان غريب الأطوار، الذى كان يحب امتطاء السلاحف العملاقة وركوب عربة تجرها الحمير الوحشية، وكان أيضًا زعيمًا صهيونيًا بارزًا. ثمة معرض دائم فى وادِسدون، فى قاعة تسبق معرض برونشتاين، يحتفى بعلاقة عائلة روتشيلد بإسرائيل يروى المعرض قصة تمويل هذه العائلة لبناء مبنى الكنيست، مقر البرلمان الإسرائيلي، والمبنى الخاص بالمحكمة العليا، وآخر مشاريعهم المكتبة الوطنية، التى صممها المهندسان المعماريان السويسريان هيرتزوج ودى مورون على شكل منحدر تزلج حجرى مائل وتتألق النماذج المعمارية لهذه المبانى التذكارية خلف واجهات عرض مغطاة بألواح من الأكريليك، مثل الكنوز الأثرية الثمينة المعروضة فى أماكن أخرى من القصر. إلى جانب هذا العرض الفخم لرعاية عائلة روتشيلد فى الأرض المقدّسة، والتى تجلّت فى تمويلهم مشروعات ضخمة، أضاف برونشتاين رسوماته المزخرفة التى تتضمن مهمة خيالية إضافية فى خطوة جريئة تشبه لعبة تمثيل معماري، قام الفنان بتخيّل نفسه جزءًا من مسابقة وهمية لمهندسَين معماريين، مستوحاة من جائزة «برى دى روم» (Prix de Rome) الشهيرة فى باريس خلال القرن التاسع عشر، حيث يتنافس اثنان من المتسابقين على إعادة بناء هيكل سليمان كلّ على طريقته الخاصة. يقول برونشتاين، المولود فى الأرجنتين وترعرع فى لندن، والذى يصف نفسه بأنه «يهودى ملحد متطرّف»: «أصبحتُ مفتونًا بتشكيل الهوية اليهودية فى القرن التاسع عشر» وبعد سنوات من التحضير تم تكليفه به كجزء من مشروع بحثى أوسع نطاقًا حول البيوت الريفية اليهودية، ويبدو أن هذا – التكليف – قد أثار فى الفنان فضولًا وتشككًا حول ه الثقافى الخاص. ويضيف برونشتاين: «مع تطور القوميات فى القرن التاسع عشر، خاصة فى ألمانيا، بدأت اليهودية فى تشكيل فكرة عن هوية جماعية مرتبطة بطريقة ما وراثية أو عرقية مع الشرق الأوسط القديم». ويضيف قائلًا: «بدأوا ينظرون إلى القدس ليس كمفهوم مجرد، مثلما ينظر المسلمون إلى مكة، بل كمكان قابل لإعادة البناء، مرتبط بخيال معمارى استشراقي». تُصور رسومات برونشتاين الساحرة ما قد يبدو عليه هذا الخيال إذا أخذنا به إلى أقصى حدوده. رُسمت هذه الصور بعناية فائقة باستخدام القلم والحبر، وتم تلوينها بشكل جميل باستخدام طبقات من غسول الأكريليك (بالاستعانة بمساعدَين حديثَى التخرج فى الهندسة المعمارية)، وتُمثل إسقاطات رائعة لذلك الشوق الاستشراقى فى القرن التاسع عشر. وتصوّر الرسومات تصميمين متنافسين، تم رسمهما بدقة متناهية فى الارتفاعات التفصيلية، والمقاطع العرضية، ودراسات الواجهات، لإعادة بناء الهيكل. كلاهما مزيجٌ فريدٌ من الزخارف والأنماط المعمارية، يستعير عناصرها بشغفٍ غير محدود من كتالوجٍ غنيّ بالزخارف من الآثار الآسيوية القديمة، وعصر النهضة القوطي، والباروك والآرت ديكو. على أحد الجدران، ثمة نموذج من الهيكل الذى يصفه برونشتاين بأنه من «فنون فودفيل الجميلة»، يتوهج داخله بريق ذهبى يذكرنا بالكازينوهات فى نيو أورلينز. وعند المدخل، ينبهر الناظر من الأعمدة السليمانية الحلزونية، التى استلهمها برونشتاين من ال «بالداكشينو» لبرنينى فى كنيسة القديس بطرس فى روما، والقباب الوهمية التى تطفو فوق تابوت العهد، مستوحاة من تحفة أليساندرو أنطونيللي، فى قصر «مول أنطونيليانا» فى تورين، التى كان مخططًا لها فى الأصل أن تكون معبدًا يهوديًا. يقول برونشتاين: «إنه يُعد هيكلًا بارعًا من الناحية المعمارية، كما لو كان من قصور مشروب الجن»، ولكن مع تفوّق معمارى ملحوظ. على الجدار المقابل، يظهر نموذجً من الهيكل أكثر بساطة، بألواحٍ خشبية من الداخل تُذكرنا بتلك التى قد نجدها فى الكُنس اليهودية فى «غولدز غرين» شمال لندن – ليس بعيدًا عن المكان الذى نشأ فيه برونشتاين فى «نيسدن». هناك أيضًا إشارات عن مكتبة هنرى لابروست فى «سانت جنيفيف» فى باريس، بالإضافة إلى جدران مذهلة من اللازورد الأزرق، تُمثل عالم السماء بأسلوب العصور الوسطى، على غرار ما فعله أوجين فيوليه لو دوك «المرمّم الأعظم للهندسة المعمارية التاريخية» يُذكرنا هذا بمزيجٍ ثقافى مُثير للإعجاب، يزداد إثارة بتفاصيل الواجهة التى تُظهر رءوس موسى وداود وسليمان كغارغولات بلحى زرقاء فق المدخل، ونحتًا بارزًا للإله، محاطًا بتماثيل أبو الهول. «هناك قدر كبير من الدراسات الأكاديمية التى تبحث فى الكيفية التى كان يمكن أن يبدو عليه الهيكل لو انه بُنى فى القرن العاشر قبل الميلاد»، كما يقول برونشتاين «وليس لذلك أى صلة بالتوحيد» فهو يرى أنه من الأرجح بكثير لو شُيّد الهيكل فى الفترة التى يذكرها الكتاب المقدّس، لكان أقرب إلى مشهد حلولي-بانثيّ صاخب، يموج بتمثيلات متعددة للألوهية، لا إلى هيكل يكرّس لإله واحد تمامًا كما نشاهد فى الصرح المعمارى المشبّه الذى بقى قائمًا فى عين دارا بسوريا، والذى بُنى نحو 1300 قبل الميلاد، «وهو فى الحقيقة مكتظ بالرموز الكونية والكائنات الغريبة – أو بالأشباح إن أردنا المبالغة». إذا كان كل هذا ليس كافيًا، فقد رسم برونشتاين أيضًا تابوت العهد – مصوّرًا إياه صندوق ذخائر مذهّبًا من العصور الوسطى، يعلوه وسادة، حيثُ يُقال ان الله أراح قدميه – ومينورة الهيكل، المصوّرة كشمعدان ملتوٍ على طراز الروكوكو، تنبثق فروعه من غارٍ على الطراز الصيني تٌساعد الرسومات من أرشيف وادِسدون فى الغرفة المجاورة على وضع المشروع فى سياقه، وتُظهر أن خيالات برونشتاين المبهرة ليست بعيدة كل البعد عمّا كان يصممه معماريّو القرن التاسع عشر الذين استلهم منهم. ومن المثير للقلق، أن هذه الرسومات قد لا تكون بعيدة عمّا يأمل البعض فى رؤيته فى القدس فحركة «الهيكل الثالث» تواصل حملتها لإعادة بناء الهيكل الأصلى على جبل الهيكل، أحد أكثر المواقع تنازعًا على وجه الأرض – المعروف فى العالم الإسلامى باسم الحرم القدسى الشريف، الذى يضم موقع قبّة الصخرة والمسجد الأقصى، وهما من أقدس المواقع فى الإسلام لا يسعنا إلا أن نأمل ألّا يُخطئ مُتعصبو الهيكل الثالث فهم رسومات برونشتاين على أنها مُخطّط أوليّ للبناء. بدأ برونشتاين هذه الرسومات قبل اندلاع الحرب فى المنطقة بعد هجوم حماس فى 7 أكتوبر 2023 هل غيّر قصف إسرائيل الوحشى على غزة مواقفه؟ يقول: «العمل لم يتغيّر». ويضيف: «لكن الحرب غيّرت علاقتى باليهودية. لقد جعلتنى الحرب أتساءل بعمق عن تلك الفكرة التى يتم فرضها علينا قسرًا تقريبًا: أننا نحمل فى جيناتنا، وبنوع من الارتباط الكوني، صلة عضوية بالأرض المقدّسة. إن هذه الفكرة ليست سوى بناء أيديولوجى صاغته القوميات فى القرن التاسع عشر، وهى فى حقيقتها محض هراء». عن الجارديان