لا يقتصر الحديث عن صيام الأبناء على تعويد الصغار فقط، بل يمتد ليشمل المراهقين والشباب، الذين يحتاجون إلى دعم متكامل يشمل التهيئة النفسية والتغذية السليمة للحفاظ على صحتهم خلال الشهر الكريم، فمع تغير نمط الحياة فى رمضان، يصبح من الضرورى توجيههم إلى عادات غذائية صحيحة، بالإضافة إلى الاهتمام بصحتهم النفسية وتعزيز شعورهم بروحانية الصيام.. فى هذا الصدد، نناقش مع الخبراء كيفية تحقيق توازن صحى ونفسى للأبناء خلال الشهر الفضيل. صيام الصغا من العاشرة وتدريجيًا عند «سن الإطاقة» تتحدث د. رضوى أحمد شاهين، مدرسة مساعدة التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس، عن أن صيام الأطفال يعتمد على عمر الطفل وصحته العامة. وعادة لا يُشجع على الصيام قبل سن البلوغ، ولكن يمكن للأطفال الذين اقتربوا من سن العاشرة أو ما يعرف ب«سن الإطاقة» البدء بالتدريب على الصيام تدريجيًا، وقد استند العلماء إلى حديث النبى صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». التحضير للصيام وقبل أن يبدا الطفل الصيام، يجب التأكد من أنه بصحة جيدة، ويفضل استشارة الطبيب إذا كان يعانى من أى مشاكل صحية، كما ينبغى تعويده تدريجيًا، كان يصوم لنصف يوم فى البداية حتى يعتاد على الأمر دون ان يوثر ذلك على نشاطه وحيويته. ويجب التأكد من أن وجبة السحور تلعب دورًا مهمًا فى الحفاظ على طاقة الطفل خلال اليوم، لذا يجب أن تكون غنية بالبروتين والألياف التى تعزز الشعور بالشبع لفترات أطول مثل الخضراوات، الفواكه، البقوليات، ومنتجات الألبان، وأيضا الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة التى تساهم فى توفير طاقة تدوم لفترة اطول، كما يجب الحرص على شرب كمية كافية من الماء خلال هذه الوجبة، لان قلة السوائل قد تودى إلى الجفاف والشعور بالتعب أثناء النهار. مراقبة مهمة وتشير د. رضوى إلى أنه من المهم مراقبة الطفل أثناء الصيام للتأكد من عدم ظهور أى علامات تعب شديد أو دوخة، وفى حال شعوره بالإعياء الشديد، يجب كسر الصيام فورًا حتى لا يتعرض لمضاعفات صحية، ويُفضل ايضًا تدريب الطفل على الصيام خلال أيام الإجازة الأسبوعية، حيث قد يواجه صعوبة فى الصيام اثناء اليوم المدرسى بسبب المجهود الذهنى والبدنى المبذول هناك. نظام غذائى متوازن وعند الإفطار، يُفضل أن يبدأ الطفل بتناول التمر، حيث إنه غنى بالحديد والمعادن والفيتامينات التى تمد الجسم بالطاقة، وبعد ذلك، يجب أن يتناول وجبة متوازنة تحتوى على الكربوهيدرات والبروتين والدهون الصحية، مما يساعد فى تعويض الطاقة المفقودة اثناء الصيام. ونظرًا لأن الطفل يكون جائعا بحلول وقت الإفطار، قد يميل إلى تناول كميات كبيرة من الطعام بسرعة. لذا من الأفضل تشجيعه على تناول وجبة بحجم مناسب ومضغها جيدًا، مع تجنب الأطعمة المصنعة والمقلية التى قد تسبب اضطرابات فى الجهاز الهضمى مثل القيء، عسر الهضم، الانتفاخ، والام البطن، ثم يتم تقسيم وجبة الإفطار إلى وجبات صغيرة ومتكررة، مما يساعد على هضم الطعام بشكل افضل ويمنع الشعور بالخمول بعد الإفطار. حالات يُمنع فيها الصيام ولا يُنصح بصيام الأطفال فى بعض الحالات الصحية التى قد توثر على نموهم وسلامتهم، مثل الإصابة بأمراض مزمنة كمرض السكرى او فقر الدم الشديد وأيضا أمراض القلب والأمراض المناعية، أو إذا كان وزن الطفل اقل من المعدل الطبيعى أو يعانى من سوء التغذية، وفى حال ظهور علامات الجفاف او التعب المفرط، يجب السماح له بالافطار فورًا لتجنب اى مضاعفات صحية. تغذية المراهقين ومن جانبها، ترى د. هدى مبروك، قسم التغذية وعلوم الاطعمة بالمركز القومى للبحوث، أن تغذية المراهقين فى شهر رمضان من أهم الأمور التى يجب أن توضع فى الاعتبار، وتعد وجبة السحور هى الأهم إذ تمدهم بالطاقة اللازمة لساعات الصيام الطويلة، ويجب أن تشمل البروتينات مثل البيض، الفول أو العدس للحفاظ على الكتلة العضلية ودعم النمو، إلى جانب الكربوهيدرات المعقدة كخبز الحبوب الكاملة التى تمنح الشعور بالشبع لفترة أطول، كما يُفضل تناول الدهون الصحية مثل المكسرات والأفوكادو، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن المتوافرة فى الزبادى، الخضراوات، الفواكه والعسل. وعند الإفطار، يُنصح بالبدء بالتمر والماء لتعويض السوائل المفقودة، ثم تناول الشوربة لتهيئة المعدة قبل الوجبة الرئيسية، التى يجب أن تتضمن البروتينات مثل اللحوم الخالية من الدهون أو الدجاج أو الأسماك، إلى جانب الكربوهيدرات الصحية كالأرز البنى والبطاطس، مع الخضروات الغنية بالألياف والفيتامينات.. ولضمان ترطيب الجسم، يجب شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، وتناول وجبات خفيفة مثل الفواكه والمكسرات أو العصائر الطبيعية كعصير الجزر والبرتقال، والمخفوقات المغذية مثل الحليب مع اللوز أو التمر، كما يُفضل استبدال الحلويات الغنية بالسكر بحلويات صحية مثل كرات التمر بجوز الهند والمكسرات. ويجب على المراهقين أيضا تجنب المشروبات المحتوية على الكافيين، لأنها تسبب الأرق والتعب، بالإضافة إلى ضرورة الابتعاد عن مشروبات الطاقة لما لها من أضرار صحية مثل خفقان القلب وارتفاع ضغط الدم. القدوة الحسنة ومن جهتها، ترى د. نهى الشاعر، إخصائية إرشاد نفسى وأسرى، أن تعليم الأطفال الصيام فى شهر رمضان خطوة مهمة لغرس القيم الدينية لديهم، لكن يجب ان يتم ذلك بطريقة تربوية تشجعهم وتحفزهم دون أن يشعروا بالإجبار او الإرهاق، ويعتمد نجاح هذه التجربة على الأسلوب الذى يتبعه الأهل فى تعريف الطفل بالصيام وتشجيعه على ممارسته.. ويبدا الامر بتقديم القدوة الحسنة، فالاطفال يتعلمون بالمشاهدة، وعندما يرون والديهم يصومون بروح ايجابية دون تذمر او شكوى، فان ذلك يجعلهم يرغبون فى تقليدهم، ومن المهم ان يتم الحديث مع الطفل عن الصيام باسلوب بسيط ومحبب، بحيث يتم توضيح ان الصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة تقربنا من الله، وتعزز الصبر والتحكم فى النفس، كما انها فرصة للشعور بمعاناة المحتاجين ومساعدتهم.. ويعد إشراك الطفل فى اجواء رمضان من الأمور التى تحفزه على الصيام، فمثلًا يمكن السماح له بالمشاركة فى تحضير الافطار او السحور، او تزيين المنزل بديكورات رمضانية، مما يجعله يشعر بروح الشهر الكريم، كما ان سرد قصص الانبياء والصحابة عن الصيام والتضحية يعزز فهمه لأهمية هذه العبادة. أخطاء يجب تجنبها وللأسف يقع بعض الأهل فى اخطاء قد تجعل تجربة الصيام سلبية للطفل، ومن ابرز هذه الأخطاء إجبار الطفل على الصيام الكامل رغم عدم قدرته، مما قد يودى الى شعوره بالاجهاد الشديد او النفور من الصيام، كما ان استخدام التخويف او العقاب لدفعه الى الصيام يجعله يربط الصيام بمشاعر سلبية بدلاً من كونه عبادة محببة.. كذلك، يجب تجنب تقديم الطعام غير الصحى أو الثقيل عند السحور، حيث يمكن ان يودى ذلك إلى شعور الطفل بالعطش أو الجوع الشديد خلال النهار، مما يجعله غير قادر على مواصلة الصيام. ومن المهم ايضًا عدم التقليل من شان الطفل او السخرية منه اذا لم يتمكن من الصيام كاملًا، بل يجب تشجيعه والاحتفاء بكل خطوة يحققها فى هذه الرحلة. طرق تحفيزية وتقول الشاعر، أنه لتحفيز الاطفال على الصيام وجعل التجربة اكثر متعة، يمكن الاستفادة من التكنولوجيا بعدة طرق مبتكرة، حيث يمكن استخدام تطبيقات تفاعلية تتيح للطفل تتبع صيامه والحصول على مكافات افتراضية، بالاضافة إلى العاب تعليمية تعتمد على نظام النقاط لتشجيعه على الاستمرار،كما يمكن إدماج التطبيقات التى تحتوى على قصص ومسابقات رمضانية تفاعلية، او تنظيم تحديات رمضانية عبر الإنترنت، مثل «تحدى الصيام الذهبي»، حيث يحصل الطفل على اوسمة رقمية عند تحقيق انجاز معين. يمكن ايضًا تشجيع الطفل على صناعة محتوى رمضانى خاص به، مثل إعداد لوحة إنجازات يومية، تصوير يومياته فى رمضان، او حتى تسجيل بودكاست رمضانى يشارك فيه افكاره وتجربته، ويمكن تعزيز ذلك من خلال مناقشة اجمل العادات الرمضانية فى اطار عائلى، ما يعزز ارتباط الطفل بروح الشهر الكريم.