تابعت باهتمام ردود الأفعال التى صاحبت قرار تنظيم دخول الهواتف المحمولة وفرض الرسوم الجمركية عليها ولاحظت أن الجدل لم يكن اقتصاديًا بقدر ما كشف عن أزمة وعى لدى شريحة من المعترضين.. فبدلًا من مناقشة القرار فى إطاره الطبيعى تحوّل الأمر إلى حالة غضب جماعى قادتها فئات من صفوة المجتمع اعتادت الحصول على أحدث الهواتف من الخارج بأسعار أقل بعيدًا عن واقع المواطن المقيم داخل البلاد. اللافت أن بعض المصريين بالخارج ذهبوا أبعد من الاعتراض.. معتبرين أن لهم «فضلًا» على الدولة وأن انتماءهم مرتبط بقدرتهم على إدخال هاتف دون جمارك.. هذا منطق صادم يختزل العلاقة مع الوطن فى امتياز استهلاكى ويتجاهل أن الانتماء لا يُقاس بما نحصل عليه بل بما نقدمه ونلتزم به. الحقيقة التى يغفلها كثيرون أن المواطن داخل مصر يشترى الهاتف نفسه بسعر أعلى ويتحمل الضرائب والرسوم كاملة دون أن يملك خيار الشراء من أسواق أرخص أو إدخاله عبر السفر.. فهل من العدل أن تستفيد فئة من هذه الميزة بينما يتحمل الآخرون العبء وحدهم؟ تنظيم دخول الهواتف ليس قرارًا عقابيًا بل خطوة تهدف إلى ضبط السوق وحماية الاحتياطى النقدى وتحقيق قدر من العدالة بين المواطنين. نعم أى قرار اقتصادى يحتاج إلى شرح أوضح وآليات تنفيذ مرنة لكن تصويره كاعتداء على الحقوق أو مساس بالكرامة الوطنية أمر مبالغ فيه. الأخطر من القرار نفسه هو الخطاب المصاحب له الذى كشف استعداد البعض للمزايدة على الوطن مقابل هاتف محمول. فالوطن لا يُختصر فى جهاز ذكى ولا تُقاس قيمته بإعفاء جمركى. فى النهاية الدولة التى تسعى للإصلاح تحتاج دعمًا واعيًا ونقدًا مسئولًا.. لا انفعالًا أو ابتزازًا عاطفيًا.. فالموبايل سلعة أما الانتماء فموقف.