حتى وهو يتحدث فى مؤتمر «دافوس» أمام قيادات عالمية سياسية واقتصادية.. كان معظم حديث الرئيس الأمريكى ترامب موجهاً للداخل الأمريكى حيث الانقسام على سياساته هو سيد الموقف. ومع عودته لواشنطون كان الإعلان عن بدء جولاته فى مختلف الولايات ليقود حملة الجمهوريين للانتخابات النصفية المهمة فى نوفمبر والتى يخشون أن يفقدوا من خلالها الأغلبية والسيطرة على مجلسى الكونجرس أو أحدهما. وفى هذه الأجواء فإن آخر ما يحتاجه ترامب هو ما يحدث الآن فى ولاية «مينسوتا» من مواجهات دامية واحتجاجات عاصفة مرشحة للتوسع والانتشار على خلفية مقتل مواطن أمريكى هو الثانى خلال بضعة أسابيع على يد قوات فيدرالية تابعة لإدارة الهجرة ووزارة الأمن الداخلى تم إرسالها إلى الولاية بقرار رئاسى مع معارضة شديدة من الإدارة المحلية للولاية التى توقعت من البداية أن يؤدى ذلك إلى تصعيد التوتر وانفجار الموقف. القوات الفيدرالية ذهبت للولاية لتنفيذ أوامر مكافحة الهجرة غير الشرعية لكن المفارقة أن القتيلين فى احتجاجات «مينسوتا» لمواطنين أمريكيين (رجل وامرأة) لا وجود لأى شبهات جنائية تجاههما. وفى الحادثتين كان مبرر القتل أن الجنود كانوا فى حالة دفاع شرعى وفق رواية وزارة الأمن الداخلى، بينما كانت الرواية الأخرى التى تؤيدها السلطات المحلية تنفى ذلك(!!).. والخشية الآن ليست فقط من انتشار الاحتجاجات فقط، ولكن من الآثار السياسية والاقتصادية إذا نفذ الديموقراطيون تهديدهم بإغلاق الحكومة بالتصويت فى مجلس الشيوخ ضد مشروع قانون التمويل الحكومى الذى ينبغى تمريره قبل نهاية الشهر وإلا توقف العمل الحكومى الفيدرالى للمرة الثانية فى ولاية ترامب الحالية!! الإغلاق الحكومى فى العام الماضى كان الأطول فى تاريخ أمريكا، وعانى منه مئات الألوف من الموظفين الحكوميين الذين فقدوا وظائفهم ، كما عانى منه الاقتصاد الأمريكى خسائر فادحة. وسوف تكون الخسائر أكبر إذا تكرر الإغلاق فى عام الانتخابات ومع الشكوى العامة والمتزايدة من ارتفاع الأسعار. ولا شك أن ترامب سيحاول جاهداً منع ذلك، لكن الأمر صعب لأنه يقتضى أن يتراجع فى القضية الأهم بالنسبة لأنصاره وهى مكافحة الهجرة غير القانونية، والإقرار بمسئولية القوات الفيدرالية عن أحداث «مينسوتا» وسحب قوات الحرس الوطنى من الولايات الديموقراطية وهو ثمن فادح فى عام الانتخابات(!!) .. لكن البديل صعب أيضاً. لأنه يعنى المزيد من الاضطرابات والصدام مع المزيد من الولايات وربما توجيه تهم «التآمر» ضد حكامها كما هدد ترامب. والأسوأ من كل ذلك تعميق الانقسام فى الداخل الأمريكى فى وقت يخوض فيه ترامب معاركه الخارجية التى امتدت حتى أقرب الحلفاء (أو من كانوا كذلك) من أوروبا إلى كندا(!!) بعيداً عن الحسابات الضيقة.. قد تكون أحداث «مينسوتا» وتوابعها إنذاراً بأن مراجعة المواقف مطلوبة بحسابات العقل والمصالح العليا قبل حسابات الانتخابات !!