سماح سليم إستر مويال (1873-1948) صحفية سورية يهودية، ومترجمة وناشطة نسوية، أقامت فى القاهرة منذ عام 1897 حتى عام 1904 أسست فى القاهرة جريدة بعنوان «العائلة» (1899-1907)، وكانت مُساهِمة دائمة فى صحف رائدة أخرى فى تلك الحقبة (ومن ضمنها الأهرام والهلال) اشتهرت مويال بترجمتها لعدد من الأعمال من القرن التاسع عشر من الأدب الفرنسى إلى العربية، ومن ضمنها أعمال لبالزاك، بالإضافة إلى أنها كتبت سيرة عن إيميل زولا نشرت عملين أدبيين فى العدد نفسه من «مسامرات الشعب» عام 1906، وهما «الخنجر التركي» و«سر ولا سر»، ولم تنسب أيًّا منهما إلى مؤلف؛ إذ ذكر الغلاف الداخلى أنها «مقتبسة عن الفرنسية» فحسب. «سر ولا سر» محاكاة ساخرة ذكية لنمط أدب الإثارة الذى مثلته الروايات العربية المبكرة مثل «أسرار مصر» قُدِّمت الرواية على أنها اقتباس، جرت أحداثها فى باريس بين مجموعة شخصيات فرنسية. إدموند، شاب برجوازى ثرى وحساس، تعكس ملامحه الوسيمة «آيَ التأثيرات القلبية والانفعالات النفسانية ... كسطح بلورى من الماء الصافى العذب» (MS39:5)، يصير مهووسًا بالمرأة الجميلة والغامضة. بعد أن يبذل جهدًا كبيرًا، يعرف من تاجر نبيذ محلى أن مدام آنجيل لوجيل شابة وأرملة شديدة الثراء، وأنها «سيدة مصونة شريفة الاسم قويمة المنهج لم يشُب ذكرها شبه شائبة». (MS39:16) ظل يسير فى محيط قصره، يفكر يائسًا كيف يتعرف عليها، إلى درجة أنه كان يتجاهل تناول الطعام أو النوم أو التردد على الصالونات المعتادة. يلاحظ إدموند أن مدام لوجيل لا تخرج إلا «للنزهة أو إلى مخازن القماش أو إلى الخياطة والموديسته، ولا تقبل فى يوم قبولها الزيارات إلا نفرًا قليلًا من أصحاب وأقارب المرحوم زوجها» (MS39:17)، ومع ذلك، وفى إحدى الليالي، يلاحظ قزمًا شديد الغرابة والقبح يجول حول المكان. أشارت مدام لوجيل إشارة إلى هذا القزم عند عودتها إلى منزلها بعربتها. قاد إدموند فضولُه المشتعل ليتبع القزم إلى مطعم، حيث حاول أن يصادقه ويسأله، وكل ما استطاع اكتشافه هو جنسية هذه الشخصية الغريبة: إنه أمريكى متجول فى اليوم التالي، راقب حبيبته، ولشدة صدمته ورعبه، اكتشف أنها تدخل الفندق الذى يقيم فيه القزم الأمريكى الغامض. انكسر قلبه، وقرر السفر خارجًا من أجل أن ينسى حبه، ولكنه يخفق فى النسيان، ويعود إلى باريس بعد أسابيع من الحزن والعذاب، ثم يقرر أن يتخذ قرارًا كبيرًا. يكتب رسالة مشتعلة بالحب يعلن فيه ولهه بمدام لوجيل، وعندما لا يتلقى ردًّا على الرسالة، يكتب أخرى يهددها فيه بأن يكشف «سرها» المتعلق بالقزم حتى توافق على اللقاء. وفى اللقاء، يقترح اتفاقًا: على مدام لوجيل أن تستقبله هو وبعض الزائرين الآخرين المنتظمين كل ليلة لمدة ثلاثة أشهر. وفى نهاية تلك الأشهر الثلاثة، إذا لم تحبه فسيُقسِم أنه لن يُظهِر لها وجهه مجددًا. غضبت مدام لوجيل، ولكنها، مع ذلك، أُجبِرت على قبول هذا الاتفاق. تقع لوجيل فى غرام إدموند، وفى النهاية، يتزوج الاثنان ويصيران سعيدين، ويُنسى القزم الغامض كلية. حتى يحل أحد الأيام، ويلاحظ إدموند زوجته وهى تخفى عنه رسالة سريعًا، فتعود إليه كل شكوكه المبكرة عن مدى فضيلة زوجته، ويُذكِّر نفسه بالمكر «الغريزى المنسوب للنساء». (MS39:67) بدأ فى التجسس عليها مجددًا. وفى صباح أحد الأيام، يراها تشير من النافذة للقزم الأمريكى نفسه. شعر بالغضب، وقرر الانتقام، وراقبها إلى الفندق الذى يقيم فيه القزم، واندفع إليهما فى الفصل الأخير الذى حمل عنوان «السر المكنون»، ليجد الشرير منخرطًا فى الفحص السنوى لواحدة من أسنان زوجته الأمامية التى انكسرت ورُمِّمت منذ عدة سنوات. يتضح أن «السر» فى الحقيقة هو أن القزم الخبيث ليس سوى طبيب أسنان عائلة مدام لوجيل، وأن هذه الكبرياء النسوية، التى تخفى سر عطب السن، كانت السبب فى أن تكون اللقاءات غامضة. فى ختام هذا اللقاء الهزلى والمضحك بين إدموند والدكتور ويلسون، طبيب الأسنان القزم، يضع إدموند، الذى كان يشعر بخجل شديد، قبلة نادمة على سن زوجته الصناعية، بينما كانت العربة تقودهما إلى المنزل. تنتهى الرواية بسؤال السارد الساخر للقارئ: «وأنت يا عزيزى القارئ، ماذا كنت تفعل لو كنت فى محله؟» (MS39:80) سيُقدِّر القراء العرب بالتأكيد الخاتمة الكوميدية بسبب أنهم على معرفة بالتقاليد السردية التى تسخر منها الرواية، وذلك بفضل كم روايات الإثارة المتاحة فى السوق فى تلك الحقبة. بالطبع، تتمثل الرسالة الأخلاقية للقصة فى نقد الغيرة الحمقاء، ولكن، إذا نظرنا نظرة أعمق، نرى نقدًا لحمق الادعاء الذكورى بالحماية والسيطرة على عفة المرأة وحركتها. إذا كان إدموند هو بطل الرواية فهذا بسبب المحاكاة الساخرة (ومن ثم الرسالة الأخلاقية) التى تعتمد على التصوير المبالغ فيه لعواطفه وقلقه، وتجسسه وتآمراته، وتضخُّم «حساسيته» المرضية التى تقود أفعاله، والأكثر إثارة للاهتمام تفسيره الخاطئ لتحركات حبيبته. فى المقابل، تتشكل شخصية مدام لوجيل عبر تحركاتها (إنها «حرة ومطلقة التصرف» MS39:3): فى أغلب الرواية، تظهر وهى تتحرك بعربتها إلى أماكن مختلفة، وتتلقى الإشارات أو تلقيها للناس وتتواصل معهم. إنها امرأة «متحركة»، ولا تأذن أحدًا فى حركتها، وتظل كذلك حتى عندما تتزوج إدموند كنتيجة لتصرفه العجيب المتسم بالعنف المتسامي؛ إذ يُجبِرها على أن تخضع لمطاردته «ليعاشرها ضد إرادتها» (MS39:39)، وهى مجبرة على الخضوع على الرغم من تقززها: «إذا كنت أنت تحبنى فما ذنبى أنا يا ترى؟ ما الذى جنيته حتى تُحمِّلنى أثقال مقابلتك مدة ثلاثة شهور بالرغم عني؟ أهكذا يفعل الرجال ذوو الشرف والإنسانية؟ لماذا لا تبحث لك عن غيرى أو تلهو بالأسفار عن حب من لا تحبك ولم تدرِ بوجودك إلا بعد أن أثقلت عليها وطأة تجسسك وترقبك، وكدت تثلم شرفها بالتزامك خطواتها واقتفائك أثرها ومراسلتك لها بتلك الرسائل الطويلة العريضة التى لم تكد تنهى تلاوتها مرة؟» (MS39:44-45) السؤال الذكي، الذى يطرحه السارد عند نهاية الرواية، يدعو القارئ صراحة إلى التأمل فى الأعراف الجنسية والجندرية المبنية على أساس الإرادة المحضة للسلطة، والتى تتبدى فى ممارسات السيطرة والإخضاع، وفى هذه المرة، تجرى هذه الممارسات خارج حدود الأعراف الاجتماعية المحلية (تجرى هذه المرة فى باريس، فى رواية فرنسية مسلية)، ولكن الغرض هو استدعاء تأمل عميق فى الممارسات المحلية، وهي، من هذا المنطلق، تحمل القدر نفسه من العبثية تعتمد «الرسالة الأخلاقية» فى القصة بالتأكيد على هذه الإزاحة، إزاحة تستعير رواية «إفرنجية». هكذا، تصير هذه الاستعارة ميكانيزم يتمكن به النص من توصيل معناه ورسالته إلى القارئ العربي. كما ذكرت سابقًا، نشرت مويال الرواية على أنها اقتباس عن رواية فرنسية، دون إشارة إلى المؤلف الأصلي. ناقشت فى الفصل الثالث وأناقش فى الثامن الطرق التى كان بها الاقتباس الأدبى مجازًا واستراتيجية تدفع الممارسات الكتابية المستقلة، ومن ضمنها، ممارسة الترجمة المزيفة. ربما يكون اقتباس مويال مناسبًا ليكون مثالًا على هذه الممارسة الأخيرة. النص مزيج يضم مجموعة من أنماط السرد المميزة والمتنافرة لتشكل نوعًا من المخزون الذى يتلاعب بأركيولوجيا النوع الأدبي، وهى من ثم تلقى الضوء على بنى هذا النوع وتقنياته تلك الأنماط والتقنيات تُوظَّف لتخلق مناخًا من الغموض والإثارة المتصاعدين تعتمد عليهما المحاكاة الساخرة لتحقيق الذروة من ثم نخطئ حين نقرأ «سر ولا سر» على أنها محاولة غير ناضجة أو غير ناجحة لتكون رواية (أو أن نعُدَّها ترجمة سيئة) يدل المزيج المشاغب، الذى تستعين به مويال، على مستوى من الخبرة فى القراءة والكتابة يسمح لها بتوظيف الشكل الروائى لتحقيق مقاصدها السردية والسياسية. تبدأ الرواية بتقنيات الشكل الواقعى النموذجية؛ إذ تعتمد على الزمن الخطي، والوصف الجسدى المفصل، والتخطيط الجغرافى الدقيق للمشهد الحضري، وتستعين لغتها بأعراف روايات الإثارة، بتركيزها على الإنكار الإيروتيكى والعذاب الأخلاقي، ولكنها أيضًا تنسج فى هذا النسيج الواقعى مجموعة من البنى والموتيفات المرتبطة بالحكاية العربية العائدة إلى العصر الوسيط، مثل الحكمة، والحذف والتكرار، وموتيف الزوج الديوث، أو المحن المتكررة التى يمر بها العاشق. تُذكِّرنا المساومة، التى عقدها إدموند مع مدام لوجيل، والتى يستتبعها استقباله ضيفًا فى منزلها لتسعين يومًا متتالية، بامتحانات التحمل والإرادة الموجودة فى قصص «ألف ليلة وليلة». ينطبق الأمر نفسه على الغموض الذى يتبدد من خلال حوادث عادية ورتيبة. تمثل شخصية القزم الأمريكى إحالة واعية إلى شخصية الأحدب فى قصة «الأحدب وملك الصين» بألف ليلة وليلة. يتجلى هذا بأوضح شكل فى المشهد الطويل بالمطعم حين يراقب إدموند المذهول القزم نكد المزاج وهو يلتهم صامتًا سبعة أطباق وسبع زجاجات من النبيذ، يراقبه إدموند على مدار صفحات ثلاث دون أن يجفل له جفن. توظف هوية القزم الأمريكية الغامضة نوعًا أدبيًّا ثالثًا يساهم فى دفع السرد بالنص؛ إذ إن الهوية الأمريكية تستدعى أدب المحققين الرائج، الذى انتقل إلى العربية، وكانت شخصية المحقق الأمريكى المستقل الحاذق تهيمن على هذا الأدب، بالإضافة إلى العالم السفلى الإجرامى القاسى الذى يعيش فيه. فى نهاية وجبة الدكتور ويلسون الملحمية، يفر أخيرًا من إلحاح تساؤلات إدموند المحسوبة؛ إذ ظن أنه ضابط شرطة، قائلًا: «أنا رجل حر من سكان أميركا الحرة فأى علاقة يا ترى بينى وبين بوليس باريس؟» (MS39:37) نرى هذا اللعب والابتكار مرارًا فى الأعمال الأدبية المقتبسة المنشورة فى هذا الحقبة؛ لذلك لا بد من إعادة الاعتبار إلى هذه الأعمال التى نظرت إليها الأجيال المبكرة من النقاد على أنها محاكاة وتقليد وإفساد للنصوص الأصلية فى «المراحل» الأولى للرواية العربية؛ إذ نحتاج إلى أن ننظر إليها على أنها شكل من (إعادة) الكتابة الخبيرة والواعية التى سعت إلى تحقيق مقاصد أدبية واجتماعية محددة. ويمكن أن نطلق على مقاصد «سر ولا سر» مقاصد نسوية بالمعنى نفسه الذى نستخدمه اليوم؛ إذ كان الغرض منها فحص الخطابات الاجتماعية والمجازات الأدبية المهيمنة حيال النساء ونقدها. فى كتابها «اقتصاد الشخصية: روايات المعنى الداخلى وثقافة سوقها وأعمالها»، تستكشف ديدرى لينش الطريقة التى قُدِّمت بها الشخصية الروائية للقراء البريطانيين باعتبارها «موردًا خياليًّا ... لتحويل القراء إلى أفراد، ولتوسيع موارد الحساسية الداخلية«؛ فقد أدت الشخصية الروائية إلى إنتاج «شكل جديد من الثقافة الذاتية ... ونمط جديد من الوعى الطبقي». فى المقابل، تُظهِر قراءتى للروايات الثلاث فى تلك الحقبة أن السرد فى مصر أدى إلى «تحويل الحدث نحو الخبرة الداخلية»، وذلك باللجوء إلى الاقتباس الذى تولاه مجموعة من الكُتَّاب ذوى التوجهات الاجتماعية الراديكالية؛ وذلك بقصد خلخلة مشروع النهضة الممنهج المتنامي. فى «سر ولا سر»، تُخلخِل مويال مفهوم «الشخصيات المتكاملة» الذى تشكل فى رواية نقولا حداد، وتتحدى التصوير المبدئى عن مفهوم «الحساسية» الذى صيغ فى هذه الحقبة، والذى عُدَّ مضمونًا حقيقيًّا «صالحًا» يمكن استخراجه من وسط قمامة الثقافة الغربية. هذه الحساسية وتهذيب «المشاعر الداخلية» المختبئة عميقًا داخل الفرد (وهى واحدة من «أكثر الفنون تعقيدًا» التى يُختَص بها «الأجانب«) هما ما رأى المويلحى أن المصريين يفتقدونهما إلى درجة كبيرة. ويمكن لهذه الحساسية أن تضفى نوعًا من القيمة الأخلاقية والإستطيقية على الإحساس، وترفعه من مستوى الطبيعة الوحشية إلى مساحة مهذبة تطلق عليها لينش «الذاتية المتوسعة» التى بدورها تشكل الجمال الفني. وفقًا لعيسى لدى المويلحي، الحساسية هى ما يحول الزهرة العادية إلى «كنز». إنها تضمن تسليع الطبيعة وتحويلها إلى «مرئيات صناعية»، أى صور الزهور ورسومها على سبيل المثال، والتى يُقدِّرها الأوروبيون المستنيرون «بالألوف من الدنانير والملايين من الدراهم». لدى المويلحي، كانت هذه الفائدة الحقيقة ل«الحضارة الغربية»، أى الأيدولوجيا الجمالية الواضحة التى تخفى وراءها فتشية السلعة فى التبادل السوقى الرأسمالي، تخفيها عن طريق «تحييدها وتعميمها»، إلى جانب » قمع الأفكار التى يمكن أن تتحداها ... وإغفال الواقع الاجتماعى بالطريقة المناسبة لها». فى الفكر النهضوي، الطريقة الوحيدة، التى يمكن بها إصلاح «ولع» المصريين بتقليد «الزخرف المموه والبهرج الكاذب والملاذ الشهوانية»، هى اللجوء إلى «لطف الإحساس والشعور» القادر على إضفاء القيمة على التبادل السلعى فى العالم الحديث وتحويله إلى شيء ملموس. يوضح عيسى أن «إجمال القول فى هذا الباب أن مثل المصرى فى أخذه بالمدنية الغربية كمثل المُنخُل يحفظ الغث التافه ويفرط فى الثمين النافع». أما الفضيلة والطهارة، وهما النظيران الجندريان، فهما «الشيئان» أو «الممارستان» اللذان صار معناهما يعتمد على ضبط الخبرة على حساب اعتباطية الحوادث العابرة، وكان النوع الروائى هو الأرضية التى انطلقت منها تفسيرات هذه التقنيات الذاتية، ومنها، أيضًا، انطلقت أشكال تحدى تلك التقنيات.