متحدث الوفد: الحزب يمثل المعارضة الإصلاحية الرشيدة    آخر تطورات سعر جرام الذهب وعيار 21 يصل لهذا المستوى    توقعات حركة أسعار النفط العالمي في الربع الثاني من 2026    الشباب والإنتاج .. معادلة عبور الأزمات    التموين تستعد لموسم توريد القمح المحلي وتستهدف 5 ملايين طن    يديعوت أحرونوت: هجوم إيراني يلحق أضرارا كبيرة بمصنع مسيرات إسرائيلي    مصرع وإصابة 3 مصريين في منشآة غاز بالإمارات بسبب صواريخ إيران    3 ناقلات نفط إحداها مملوكة لشركة يابانية عبرت مضيق هرمز    السفير نبيل نجم عن الحرب العراقية الإيرانية: 8 سنوات حرب بلا جدوى    حماس: اختتام محادثات القاهرة والتأكيد على استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة    سموحة يقرر تعيين إبراهيم عادل مديرا للنشاط الرياضي بالنادي    «أهلي 2011» يتوج ببطولة الجمهورية بالفوز على الاتحاد السكندري    اتحاد الكرة يهنئ نادي القناة بعودته للدوري الممتاز    فليك: فرصة كبيرة لراشفورد مع غياب رافينيا قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    مباشر الدوري السعودي - النصر (0)-(0) النجمة.. إصابة نبيل عماد    انتحل صفة موظف بنك.. الداخلية تضبط نصابًا استولى على بيانات العملاء وأموالهم بالمنيا    تكريم سهير المرشدي وسيف عبد الرحمن ومحسن محي الدين في ختام الاقصر الأفريقي    في يوم اليتيم .. مجلس حكماء المسلمين: رعاية الأيتام واجب ديني وإنساني    يا منتهى كل رجاء    وزير الصحة الفلسطيني يحذر: غزة على حافة تفشي الأوبئة بسبب انتشار القوارض    رئيس الطائفة الإنجيلية يواصل جولته بأسيوط بافتتاح مبنى الكنيسة الإنجيلية الجديد بقرية السراقنا    هدايا ل100 طفل.. محافظ الجيزة يشارك احتفالية «يوم اليتيم»|صور    مُفسِّر العالَم    عرض «FridaY» بمسرح مدينة الإنتاج الإعلامي.. 23 أبريل    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    تعرف على أماكن سقوط الأمطار غدا السبت    إصابة طفلين في حادثي سقوط من ارتفاع بمحافظة الدقهلية    اختصاصات وأهداف إنشاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات....تعرف عليها    بعد هتافات مقصودة ضد الإسلام .. مصريون يدعون "فيفا" للتحقيق في عنصرية جماهير أسبانيا    البنتاجون يخطط لشراء 85 مقاتلة "إف-35" ضمن ميزانية 2027    شبهة جنائية في واقعة السلخانة.. العثور على جثة شاب بعد يومين من وفاته بالفيوم    جيسوس: أرتيتا يستحق لقب الدوري... والتتويج الأول سيغيّر كل شيء في أرسنال    في ظل أزمة طاقة عالمية.. القوات المسلحة توضح استراتيجية مصر لضمان الاستمرارية وحماية الاقتصاد الوطني    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    بيراميدز يضرب إنبي بثنائية في الشوط الأول بنصف نهائي كأس مصر    أسرار الكتابة.. كتاب يحول تجارب الأدباء إلى دليل عملي للإبداع    مصرع شخص في حريق ونش بالشرقية    حيلة شيطانية.. عصابة تسرق 4 موبايلات وتقفز من شرفة للهروب في القليوبية    ضبط المتهم بالتعدي على «حمار» في البحيرة    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    انقطاع مياه الشرب لمدة 5 ساعات عن عدد من المناطق بالفيوم مساء اليوم    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    واشنطن بوست: إقالة جنرالين آخرين كبيرين في الجيش الأمريكي    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرواية الأخيرة: ديفيد مارسكون ديفيد مارسكون
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 13 - 11 - 2025


أحمد الزناتى
فى يومياته المؤرخة فى 21 أغسطس 1937 يقول ألبير كامي: (العمل الفنى الحق هو الذى يقول أقلّ ما يمكن) (ترجمة ماهر البطوطى، سيمفونية ثقافية – 2015).
فى البداية لم أكن متيقنًا من كيفية كتابة مقالة أو مراجعة عن أدب الروائى (اللا روائي؟) الأمريكى الراحل ديفيد ماركسون. تكرّر ظهور اسم المؤلف أمامى قبل شهور طويلة على منصة إكس، وكثرت اقتباسات القُراء عن روايته الأشهر (عشيقة فيتجينشتاين). ومن باب الفضول بحثت عنه، لا سيما جاذبية العنوان السابق.
أسماء رواياته عجيبة (هذه لست رواية، وروايات أخرى)، (حُبسة القاريء)، (نقطة التلاشى)، (الرواية الأخيرة)، وكلها تدفع فى اتجاه التوكيد على فكرة العجز عن كتابة رواية مكتملة الأركان، ربما من فرط تعلقهم بفكرة الرواية.
رواية The Last Novel (2007) للكاتب الأمريكى ديفيد ماركسون هى خاتمة رباعية تجريبية تُعرف ب"رباعية البطاقات" تنتمى هذه الرواية إلى جنس أدبى هجين يتحدى الحدود التقليدية للرواية، ويعيد تعريفها من خلال بنية شذرية، قائمة على الاقتباسات، الحكايات غير المنسوبة لأحد بعينه.
الكتابة عنه صعبة، لأنك بالكاد تستطيع القبض على شيء مُحدد.
لذا أقدّم فى السطور التالية من الاقتباسات المأخوذة من الأعمال نفسها، مرفقة بتعليقاتى الموجزة، والحقيقة أننى لم أرتّب هذه الاقتباسات وفقًا لموضوع أو فكرة، بل بحسب ترتيبها كما وردت فى الكتاب، من البداية إلى النهاية، هدفى هو تسلية أوقات الفراغ النادرة، وتقديم صورة واضحة عن أدب ماركسون، مع بعض الملاحظات السريعة عن هذا الكاتب الجدير بالالتفات.
فى البداية أحب القول إنَّ ثمة كُتابًا عظام تدفعهم ثقة راسخة فى قدرة الرواية على التجدد، وإيمان بأن هذا الشكل الأدبى لا ينضب، وأنه قادر على فعل أى شىء (كما سنرى ونحن نتأمل روايته المُعنونة بالرواية الأخيرة)؛ وهناك آخرون تنبع إنجازاتهم من صراع داخلى ينشد كتابة رواية والسلام.
كثيراً ما يبدع الروائيون الذين يجاهدون فكرة كتابة رواية، أعمالهم الأكثر حيوية فى اللحظة الفارقة التى يكونون فيها على وشك التخلى عنها كلياً؛ وهذا الانطباع قد ترسخ لدى شخصياً بعدما تعمقت مؤخراً فى نصوص توماس بيرنهارد وترجمة إحدى رواياته أما ماركسون فيأتى ضمن سلالة تجريبية ممتدة من ويليام جاس (وهو مغدور فى عالَم الترجمة العربية، وصولاً إلى ديفيد فوستر والاس، غير أنه الأكثر زهداً فى السرد وأشدّهم إقبالاً على تناول الفُتات.
كان ديفيد ماركسون فى السبعين من عمره تقريبًا حين نُشرت روايته «حُبسة القارئ» (Reader's Block) ، وهى الرواية الأولى فى رباعيته المعروفة باسم رباعية البطاقات.
ليس ثمة كثير ليُقال؛ لأن الرجل نفسه لم يقل شيئًا، وإنما اقتات على أقوال الآخرين؛ بطل روايته (حبسة القاريء) هو القاريء، وبطل روايته (هذه ليست رواية) هو الكاتب. فى العملين نرى قارئًا وحيدًا، عجوزًا، كئيبًا، ذهنه مثقل بانطباعات متفرقة من حياة قضاها بين الكتب.
وهنا تتجلّى المفارقة: تقوم رواياته على مقتطفات قصيرة وحكايات مقتضبة من حياة كتّاب وفنانين منسيين، تتراكم عبر التكرار لتُنتج ثيمات مترابطة.
الروايات مكونة من سطور/فقرات غير مترابطة – ظاهريًا – أشبه بانطباعات أو أفكار عابرة تنثال على ذهن مارسكون، لنقرأ أولًا ما كتبه فى الصفحات الأولى من رواية (حُبسة القاريء):
حيّانى أحدهم أمس بإيماءة على الرصيف البارحة. أكانت التحية لى أنا؟ أم له؟
جلسَتْ الكاتبة الأمريكية جيرترود شتاين أمام بيكاسو أكثر من ثمانين مرة ليرسمها. ثم محا رأسها، وأعاد رسمه بعد ثلاثة أشهر، دون أن يراها ثانية.
أقامت آنا أخماتوفا علاقة عاطفية مع أميديو موديليانى فى باريس خلال عامى 1910 و1911وفى شيخوختها، بعد أن مضى على مكوثها فى روسيا أكثر من ثلاثين عامًا دون أن تغادرها، أدهشها أن موديليانى، الذى كان يومًا حبيبًا مجهولًا، قد غدا من رموز الفن العالمي.
قال الفنان جياكوميتى إنه لو خُيّر لحظة احتراق منزله، لأنقذ قطةً من ألسنة اللهب قبل أن يمدّ يده لينقذ لوحة لرامبرانت.
أتقدّم فى العمر دخلتُ المستشفيات، هل أدوّن شيئًا؟
صحيح أن القارئ هو «أنا» فى مثل هذه الموضوعات، لكن يُفترض أنه فى معظم المواضع الأخرى، لن يكون «أنا» على الإطلاق.
فى لحظة سُكرٍ ، وأثناء شجارٍ محتدم مع زوجته، أقدم بول فيرلين على فعل مروع: قذف رضيعهما باتجاه الحائط.
كان القديس توما الأكوينى معاديًا للسامية.
«فقط بيانشون يمكنه إنقاذى»، قالها بلزاك وهو يحتضر. بيانشون كان يعمل طبيبًا فى رواية الأب غوريو.
حياته راكدة، بلا حراك. رجل بمفرده، لا عمل له يُذكر، وموارده ضئيلة.
لا أحد يأتى. لا أحد يتصل.
ما الذى حدث؟ لقد حدثت الحياة؛ وها أنا ذا الآن عجوز.
ما الرواية، فى جوهرها؟ أم أن الروائى، بطريقة ما، يفكر فى سيرة ذاتية؟
قبل أن تشعل سيلفيا بلاث فرن الغاز لتنتحر، تركت خبزًا وزبدًا وحليبًا فى غرفة نوم طفليها.
تنسج الرواية على هذا المنوال: شذرات وتعليقات وانطباعات شخصية لا تقول فى مُجملها شيئًا، ولا تنتج عملاً سرديًا قائمًا برأسه ثم ماذا؟ الحقيقة أننى بعد مطالعة هذا العمل القصير جداً، وصلتُ إلى نتيجة مؤداها أن ماركسون يرى ما هو أبعد من كتابة الرواية، أن يتصفح حياته ويتأملها فى حيوات الآخرين ومواقفهم، والمفاجئة فى أحيان كثيرة مثلما رأينا فى موقف سيلفيا بلاث (الكاتبة المُبالغ فى تقدير موهبتها الأدبية فوق اللزوم فى اعتقادي)، أو فى جُملته: وماذا حدث؟ حدثت الحياة، وها أنا ذا رجل عجوز.
العمل الثانى الذى أودّ تسليط الضوء عليه أكثر هو روايته (الرواية الأخيرة).
عادةً ما تُوصف «يقظة فينيغان» لجيمس جويس بأنها «نهاية الرواية»؛ أى أنه بعد هذا العمل الذى يتأبى على الفهم (وقد كتبتُ مقالة مطولة عنه منذ سنوات فى أحد كتبى ومحاولات آخرين فكّ شفرات فينيجين) لا يبقى مكان يمكن أن تذهب إليه الرواية وقد يُقال الشيء نفسه عن «اللا مُسمى» لصموئيل بيكيت، والذى يستكشف أقصى حدود ما يمكن للغة أن تؤديه قبل أن تسقط فى الصمت لكن الأدب هو خزانة الروح وهذه الرواية من النوع المُحبب إليَّ شخصيًا يطلّ علينا كاتب مسن، يشار إليه ببساطة ب«الروائى»، معلنًا أن هذه ستكون محاولته الأخيرة، وأن له تفويضًا مطلقًا ليفعل ما يشاء. البطل رجل مثقل بالعزلة الاختيارية، فمالت هواجسه إلى تأمّل مصائر الكُتاب والفنانين الآخرين: عبقريتهم، تجاهل المجتمع لهم، صعودهم ثم أفول نجمهم، متعمّدًا إقصاء سيرته الذاتية عن النص قدر المستطاع.
«الرواية الأخيرة» أقرب إلى دفتر شذرات منها إلى سرد روائى، وهى تتكون من فقرات لا تتجاوز الجملة الواحدة، على نحو ما رأينا فى عمله الذى أشرتُ عليه آنفًا (حبسة القاريء) ، كلها حكايات قصيرة عن أدباء وشعراء وموسيقيين وفنانين عظام من الماضى، طواهم النسيان؛ وتنقسم هذه الحكايات إلى قصص عن أعمال تُعد اليوم تحفًا فنية، لكنها قوبلت بالازدراء فى زمنها، واقتباسات عن فنّانين لا يستطيعون التخلى عن معاقرة الشراب، إلخ لا يخبرنا ماركسون بالكثير عن حياته، لكن اللمحات السريعة التى نحصل عليها كاشفة؛ فى سطر يقول مثلًا إن السارد يتصل بأجهزة الردّ الآلى Answer Machine لأصدقائه الراحلين، فقط ليسمع أصواتهم فى الرسائل المسجلة.
إلى جانب ذلك، يمارس الراوى نوعًا من النقد الاجتماعى الحاد لأحوال وسطه الثقافى، حيث يعبّر عن امتعاضه من التناقضات السائدة فى الوسط الثقافى.
ففى إحدى الشذرات فى هذا العمل، ينقل عن كينيث ريكسروث، الناقد والشاعر والمترجم الأمريكى المُتوفى عام 1981 قوله: «لقد سئمتُ أولئك المثقفين الأفاكين الذين يدّعون حبهم للأدب والشعر، لكنهم لا يشترون كتابًا واحدًا.» يكشف هذا الاقتباس، وإن بدا عابرًا، عن موقف الراوى (وماركسون ضمنًا) من الاستهلاك الثقافى السطحى، ومن المثقف الذى يكتفى بادعاء المعرفة دون أن يبذل أدنى مجهود ليشترى كتابًا، فضلًا عن قرائته، ناهيك عن إعطاء دروس فى فن الكتابة الروائية.
العجيب – وهو مما يدلّ على أن الرجل أديب وفنان حقيقى – أن أيًا من هذه الشذرات غير منسوبة لقائل بعينه، ولا توضع بين علامات تنصيص. وهذا يثير سؤالًا: كيف نعرف إن كانت هذه الاقتباسات صحيحة أو مُختلقة؟
يأسف ماركسون على الأعمال الإبداعية غير المعترف بها، وهو فى ذلك يذكرنا فى ذلك بتحفة الكاتب الإسبانى المعاصر إنريكه بيلا - ماتاس (بارتلبى وأصحابه)، كلاهما يضرب على وتر واحد، وإن كان ماركسون أشد تطرفًا وجموحًا فى نظرته، فهو لا يعترف بحدود اسمها الملكية الفكرية أو حقوق الاقتباس، فالرجل يكتب روايته الأخيرة بكل حرية وصفاقة ولا اكتراث بأى عُرف.
لنتأمل مثلًا ما يقوله عن الشيخوخة: لحظات ينهض فيها الروائى من مكتبه ليجلب كتابًا من الطرف الآخر للغرفة، ثم يجد نفسه يحدّق فى الثلاجة. أو يرمى مفاتيحه فى درج، دون أن يفتحه ثانية، إنها شيخوخة منبوذة، ضعيفة، بلا رفيق درب، هكذا وصفها سوفوكليس، شيخوخة مهملة، مطروحة فى الزوايا جُملة يردّدها شكسبير.
أو لنرَ ما قاله عن التكرار فى الكتابة: ثمة نقّاد يحتجّون بأن الروائى بات يكرر الكتاب نفسه مرارًا، هؤلاء باعة جائلون وليسوا نُقادًا أو اقتباسه المنقول على لسان أوكتافيو باث، إذ يقول: لا يمكنك أن تكون كاتبًا مبدعًا فى أمريكا دون أن تكون خاسرًا أو كلامه عن نهايات الروايات: الخواتيم، كما قالت جورج إليوت، هى نقطة ضعف معظم الكتّاب وإن كنت تعرف ما تفعل، فلن يعترض طريقك أحد، قالها جونى يونيتاس [لاعب كرة قدم أمريكى مات سنة 2002]، اصبرى الآن، يا نفسى، فقد احتملتِ ما هو أسوأ من هذا، قالها أوديسيوس ذات مرة. أحقًّا ما يُقال: أنصير نجومًا فى السماء حين نموت؟ يسأل أحدهم فى عمل لأرستوفانيس. الشيخ الذى لا يضحك، أحمق [الاقتباس مجهول المصدر].
والحق أننى تعمدت عدم إدراج الأقواس وعلامات التنصيص كما فعل المؤلف نفسه من باب الأمانة فى نقل الأصل، وإبرازًا للرسالة التى يودّ إيصالها.
فى اعتقادى أن كل كاتب يفكر فى أسئلة من قبيل: ما الرواية؟ ماذا يبقى من الرواية إذا حذفنا منها الأركان الأساسية: الحبكة، نموّ الشخصيات، التعقد الدرامى، إلخ.
هل يمكن أن نكتب نصًا سرديًا بلا شخوص ولا قصة؟ وهل تظل الرواية حينها روايةً؟ بعيدًا عن مسألة الأذواق الشخصية: الإجابة نعم قولًا واحدًا. وإلا فأيّ ثيمة/قصة يستخلصها القاريء من قراءة (اللا مُسمى) لبيكيت؟ أو أى ثيمة نجدها فى قصة بيكيت القصيرة العبقرية (شذرات من عمل لم يكتمل) التى ترجمها إدوار الخراط فى كتابه الرؤى والأقنعة؟ لا شيء. ينتاب القاريء حينئذٍ شعور غامض، أو يشرد شرودًا طويلًا فى أشياء بعينها، لاسيما فى قصة بيكيت سالفة الذكر.
يقودنا كل ما يُقال فى هذه الرواية (أقصد رواية ماركسون) من حكايات عن حوادث انتحار الكتّاب، إلى الشيخوخة إلى النسيان، إلى شيء واحد: يعرف الكاتب أن النهاية قريبة، وأن الكتابة هى طقس الوداع الأكثر هدوءًا وصخبًا فى آنٍ واحد. أليست هذه كلمة بيكيت فى «مولوى»؟
ومع ذلك وبالرغم من نتف الحكايات وركام الاقتباسات، والمواقف التى تبدو عرضية، تبدأ خيوط الرواية فى التشكل، ويتحول كل ذلك مع الوقت إلى سرد داخلى يتكلم عن حالة وجودية واحدة: رجل يعيش أيامه الأخيرة، ولا يملك سوى الكلمات شىء قريب من (مالون يموت)؛ المفارقة هنا أنَّ مالون لا يسرد سردًا مترابطًا، إذا ما قورِنَ باقتباسات ماركسون. فى اعتقادى واصل ماركسون بناء (هدم؟) ما بناه (هدمه؟) بيكيت فى الثلاثية. أنستطيع القول إن هذه الرواية هى حكاية كاتب سأم اختلاق القصص والمعاناة لنسج الحبكة فكَتَب هذا العمل؟ كم من المواهب الأدبية التى ضاعت، لأن أصحابها أرادوا كتابة تقليد مئة عام من أى شيء فى أى مكان.
فى كل مرة أفكّر فيها فى الاستراتيجية التى يتبعها الأدب للخروج على الورق أجدنى أفكّر فى ثلاثة طرق، وهى طرق متصلة رؤيتى الشخصى للعالَم، ومن ثمّ لا أطرحها عادةً للنقاش.
أولاً: طريق بورخيس والإيطالى روبرتو بازلن كما ذكرتُ فى مقالة سابقة هنا قبل سنوات؛ لماذا لا نقول فى بضع صفحات ما يقوله الآخرون فى مئات الصفحات لماذا لا تتحول الكتابة إلى مجرد تعليقات وهوامش (متخيلة) على نصوص آخرين؛ لو كان هذا ضَعْف موهبة، لكان لنا أن نَصِفَ بورخيس، أو ماتاس، أو بازلن بضعف الموهبة.
نحن نبتكر أسلافنا. ثانيًا: طريق توماس مان وتولستوي: اكتبْ حتى يجف حبر العالَم. ثالثاً: نهج كافكا؛ شفَّرْ وابتكر رموزًا حتى يجف عقل القاريء، قالب من اللا واقع مضمونه الواقع mundus imaginalis (عالم المثال بتعبير روبرتو كالاسو كما أشرتُ فى مقال آخر) شخصيًا أميل إلى العثور على شكل يجمع الأول والثالث. بالطبع ثمة استراتيجيات ووسائل تعبير أخرى، لكنى أشرت إلى النماذج الثلاثة السابقة من واقع خبرتي.
نمت نومًا متقطعًا بالأمس استيقظتُ فى الثالثة بقيت مستيقظًا حتى الخامسة فجراً ضاعت أغلب تفاصيل الحُلم لكنى ما زلت أحتفظ بالشظايا التالية: أنا شبه مختطف فى بيت كبير، مكان أشبه بقصر فى البداية لا ينتابنى شعور بالتهديد، أشعر أننى مجرد ضيف فى قصر، فيه فتاة جميلة، شعرها أسود فاحم، خمرية البشرة، مكتنزة القوام، عيناها واسعتان لهما ضيّ سماوى مُسكر، تخبرنى أنها سترعانى تمضى ساعات ولا أعرف سبب وجودى. باب القصر مفتوح، لكنى فكرة الخروج تزعجنى. تعاملنى بلطف، لا ينتابنى قلق من وجودى معها، تتلصص عليَّ أحيانًا وأنا أراقب القط من نافذة القصر وهو يحاول اصطياد الهدهد. تسألني: لِمَ أحشد تركيزى على هذا المشهد تحديدًا، لكنى أتظاهر أنى لا أسمعها، ثم تشير إلى صورة يوليوس قيصر، وكأنها تعرف ما جرى.
تقول إنها مكلفة بمهمة محددة للوصول إلى الحقيقة، لكنها تصمت عن التفاصيل، غالبًا المهمة متعلقة بى، أعرف بالضبط الحكاية وما فيها، لكنى أواصل ادّعاء البلاهة. بعد ساعات يداهمنى قلق بشأن مصيرى.
أسألها، تدور بخبث فى أرجاء الحجرة، تنبت فى ذهنى حيلة؛ أقول إننى أنا من طلبتُ مِن صاحب القصر نقلى إلى هنا، وأننى من أدير دفّة الأحداث منذ البداية، وكان من الواضح أنها لا تصدقنى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.