محمد سلماوى دارت بها الدنيا، وسقطت على المقعد المجاور، عندما قرأت عنوان الخبر: (استشهاد الطبيب المصرى عمر المهدى فى أثناء قيامه بعملية جراحية لطفلة بمستشفى المعمدانى بغزة). أعادت إيمان قراءة العنوان مرة أخرى نعم، كان الاسم صحيحًا: عمر المهدي هزها الخبر كالصفعة المفاجئة. انقبض قلبها وتهدجت أنفاسها. «يا إلهي! عمر مات؟!»، سالت من عينيها دموع لاإرادية نزلت بسرعة على وجنتيها كأنها انطلقت من أسر دام سنوات، لتسقط على الجريدة التى بين يديها، وتحيى فى رحلتها الخاطفة ذكرى سنوات مضت. نيزك خاطف أضاء ظلمة السماء فأحالها نهارًا! لم تقابل عمر منذ تزوجت إيهاب قبل عشرين عامًا. تمالكت نفسها، وراحت تقرأ تفاصيل الخبر: (استهدفت غارة إسرائيلية فجر أمس مستشفى المعمدانى فى مدينة غزة، مما أسفر عن استشهاد خمسمائة شخص من المرضى والجرحى وأعداد من المدنيين الذين لجأوا إلى المستشفى طلبًا للحماية كان من بين الشهداء الجراح المصرى المعروف عمر المهدى الذى استشهد أثناء إجرائه إحدى عملياته الجراحية فى المستشفى وقد تُوفى كثير من المرضى فى أسرَّتهم بالمستشفى المكدس الذى تحطم وأصبح غير صالح للاستخدام ويعد مستشفى المعمدانى أقدم المنشآت الصحية فى قطاع غزة وأكثرها...) نظرت إلى صورة عمر المنشورة مع الخبر، فتذكرت وجهه المشرق الذى ظنت أن السنوات الماضية قد غيبته عن مخيلتها. قارنت بين الصورة المنشورة فى الجريدة وتلك التى عادت إلى ذاكرتها، فوجدت صورة ذاكرتها أكثر إشراقًا. تذكرت ابتسامته الساحرة التى طالما جذبتها إليه مسلوبة الإرادة، وتذكرت شخصيته الآسرة. كان شابًّا وسيمًا واسع الاطلاع. تشكلت معه أحلامها فى سن الشباب، من خلال أحاديثه المليئة بآمال المستقبل. لم يكن قد تراءى لها بهذا الحضور الطاغى منذ سنوات مضت. كيف يمكن لإنسان أن يكون الأقرب إلى النفس من جميع البشر ثم يختفى هكذا من الذاكرة... من الوجود؟ كانا يدرسان معًا فى الجامعة، هو بكلية الطب وهى بقسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب. حين قابلته كانت لا تزال فى السنة الأولى، وكان هو فى السنة الثالثة. ما الذى ذهب به إلى غزة؟ سمعت أنه يعمل بأحد المستشفيات الاستثمارية فى مدينة 6 أكتوبر، وكانت له عيادة خاصة جعل الكشف فيها بأسعار رمزية للمحتاجين. كل ذلك كانت تعرفه، فقد حقق نجاحًا ملحوظًا كواحد من الجراحين الذين ذاع صيتهم فى السنوات الأخيرة، وكانت كثيرًا ما تطالع أخباره فى الصحف وأجهزة الإعلام لكنه كان اسمًا من الماضى الذى انقضى بعد زواجها من إيهاب ودخولها حياة أخرى. اليوم جاء خبر وفاته كالسهم القاتل الذى اخترق قلبها، تمامًا كما اخترق قلبها سهم سابق يوم قابلته فى أيامها الأولى بالجامعة. كانت تجلس فى كافتيريا كلية الآداب مع اثنتين من زميلاتها حين جاء هو وزميل له. كانت الكافتيريا مزدحمة، ولم تكن ثمة طاولات شاغرة، فاقترب منها وهى تحتسى قهوتها، وسأل إن كان يمكنه هو وصديقه مشاركتهن الطاولة. ما إن شاهدته حتى تجمدت فى مكانها ولم تستطع الرد. كان شابًّا فتيًّا مفتول العضلات، ذا شعر أسود فاحم طويل إلى حدٍّ ما. اخترقت نظراته الثاقبة من خلف نظارته الطبية الأنيقة كيانها. نظرت إلى صديقتيها مستنجدة، فبادرت بثينة بالرد: - كما ترى، لا توجد كراسى شاغرة، فأين ستجلسان؟ قال صديقه: - لا تقلقي، سنحضر كرسيين، لكننا أردنا الاستئذان أولًا. عادت بثينة تقول: - ولماذا طاولتنا بالذات؟ طاولات الله كثيرة! فقال: - ألا ترين أن طاولتكن تتسع لكرسيين إضافيين؟ فردت: - تفضلا، وإذا لم تجدا كرسيين فيمكنكما الجلوس فوق الطاولة! قال صديقه مازحًا: - لا، سنشارككن كراسيكن، فالكراسى ملكية عامة! ردت بثينة: - لقد مضى عصر التأميمات. ضحك فضحكت معه، ولكن عمر لم يضحك ولم يتكلم، ظل ينظر إلى إيمان فى صمت، وظلت نظراته تخترقها حتى لم تعد تحتمل، فأدارت وجهها بعيدًا تتابع محاولات صديقه فى البحث عن كرسيين. عادت إيمان إلى الجريدة بعينين مغرورقتين بالدموع، فتمايلت أحرف الكلمات كالنائحات المتشحات بالسواد: (كان الدكتور عمر المهدى قد أغلق عيادته الخاصة فى القاهرة ودخل غزة ضمن قافلة أطباء جاءت لتسليم المعونات الطبية التى أعدها الهلال الأحمر المصري، ولكنه تخلف عن القافلة وقرر البقاء فى غزة بعد أن تم استهداف الأطباء والمسعفين من الفلسطينيين وبعض الأجانب وأصبح هناك نقص كبير فى الفرق الطبية بالقطاع. هذا وقد صرح الدكتور عدنان درويش مدير عام الصحة بأن الدكتور المهدى منذ وصل إلى غزة قبل تسعة أشهر لا يكاد ينام الليل بسبب العدد المتزايد من المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات جراحية عاجلة، وقال إن الجراح المصرى المرموق الحاصل على الزمالة البريطانية يعد من الشهداء الذين يعتز بهم الشعب الفلسطيني). لم تستطع إيمان رفع عينيها عن صورة عمر، ظلت تنظر إليه طويلًا كأنها تنتظر أن يكلمها هذا هو الرجل الذى أحبته أكثر من أى إنسان فى حياتها! كانت حتى هذه اللحظة تتصور أن قصتها معه، التى دامت طوال سنوات دراستها بالجامعة، تُعَد من تجارب فترة المراهقة التى على الفتاة أن تنساها بعد أن تتزوج وتستقر فى حياتها، لكن خبر استشهاده الصادم جعلها تراجع نفسها. هل كانت تلك لحظة الحقيقة التى جعلتها تفيق وتواجه الواقع الذى تجاهلته لسنوات طويلة؟ قربت الجريدة من وجهها بيد مرتعشة، وقبل أن تلمس شفتاها صورته أنزلتها بسرعة، ووضعتها بعناية على المنضدة الصغيرة بجانبها. قرعت الخادمة باب غرفتها محضرةً القهوة. اعتادت الخادمة مع كل صباح أن تضع لها الجرائد بهدوء أمام باب الغرفة من دون أن توقظها، وكانت إيمان حين تستيقظ تفتح باب الغرفة وتلتقط الجرائد، وعندئذ تشرع الخادمة فى إعداد فنجان القهوة الخالية من السكر، ثم تدخل عليها الغرفة فتقدمه إليها وتأخذ معها الجرائد بعد أن تكون قد تصفحتها. وضعت الخادمة فنجان القهوة على المنضدة بجانب مقعد إيمان، وهمت بأخذ الجرائد، لكن إيمان أوقفتها بسرعة قائلة: - لا تأخذى الجرائد، اتركيها لي! فتركتها الخادمة وخرجت. أخذت رشفة من القهوة وهى ساهمة، ثم التقطت الجريدة من جديد، وعادت تنظر إلى الخبر الذى توسطته صورة عمر وقد كُتب تحتها: (الشهيد المصرى الدكتور عمر المهدي). انهمرت دموعها من جديد، كأنها تبكى على نفسها وليس على عمر! مسحت دموعها، وأعادت الجريدة إلى مكانها. وبعد أن استعادت بعض هدوئها أخذت رشفة ثانية من القهوة، ثم نهضت من مقعدها واتجهت نحو النافذة ففتحتها واستنشقت هواء الصباح المنعش، وبدت كطائر انطلق من قفصه إلى رحاب السماء! كان الفصل ربيعًا، حيث تثمر الأشجار وتتفتح الأزهار، وقد ازدهرت شجرة الأكاسيا فى الحديقة، فبدت لها من نافذة غرفتها فى الطابق الثانى للفيلَّا كالمظلة العملاقة التى ارتسمت عليها طاقات الأزهار الوردية الخلابة. تذكرت يوم ذهبت فى رحلة مع الجامعة إلى الأقصر وأسوان، وكيف جلست مع عمر فى جزيرة النباتات تحت شجرة أكاسيا مثل هذه. كان عمر هو الذى طلب منها الانضمام إلى الرحلة، وهو الذى اقترح عليها زيارة الجزيرة. كانت متيمة به، وتطيعه فى كل شيء قال لها إن الجزيرة واحدة من أقدم الحدائق فى العالم، وراح يعدِّد لها أنواع الأشجار النادرة التى تنمو فيها، ثم مشيا معًا يستكشفان كل نوع منها. على الرغم من دراسته للطب فقد كان يقرأ فى كل شيء، ولم يحدث أن راودها سؤال فى أى مجال وسألته فلم تجد عنده الجواب. قال لها إن النوبيين كانوا يسمُّون الجزيرة «حديقة النطرون»، وحين حوَّلها الإنجليز إلى قاعدة عسكرية فى أواخر القرن التاسع عشر سمُّوها «جزيرة السردار»، وفى عهد الملك فؤاد سُميت «جزيرة الملك»، ولم تُعرف باسمها الحالى إلا بعد ثورة 1952. اكتشفت أن تفاصيل ذلك اليوم لا تزال محفورة فى مكان ما فى ذاكرتها، فهو اليوم الذى قال لها فيه لأول مرة إنه يحبها. انقشعت الغشاوة التى غطت على ذكراه البعيدة، وعادت تفاصيله واضحة جلية، فقفز إلى مقدمة الذاكرة وكأن أحداثه وقعت بالأمس! كانا يجلسان تحت شجرة الأكاسيا العملاقة وقد ظللتهما أزهارها الوردية التى أثقلت فروعها، بينما انتشرت من حولهما أزهار الجارونيا التى تملأ الجزيرة. قطف زهرة جارونيا وقدمها إليها، وقال لها إن الصينيين يعتبرونها رمزًا للخلود، وهى بذلك ترمز لحبه لها الذى سيظل خالدًا أبد الدهر. تركت النافذة، وعادت بخطى ثقيلة إلى مقعدها. أخذت رشفة ثالثة من القهوة ولكنها كانت باردة عادت تنظر فى الجريدة من جديد: (ومما يُذكر أن الدكتور عمر المهدى الذى ظل وفيًّا للبالطو الأبيض واستشهد وهو يؤدى عمله بغرفة العمليات، هو ثانى طبيب مصرى يستشهد فى غزة، حيث استشهد قبله الدكتور...) لم تقوَ على مواصلة القراءة!