شهد العام الأول من حكم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مرحلة حرجة وغير مسبوقة فى العلاقات بين الولاياتالمتحدة وأوروبا، إذ أسهمت سياساته فى إظهار تصدعات عميقة بين ضفتى الأطلسى، وأثارت مخاوف واسعة لدى العواصم الأوروبية بشأن التزامات واشنطن تجاه حلفائها، خصوصا فى المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وقد انعكست هذه التوترات على جميع الملفات الاستراتيجية، مما دفع الأوروبيين إلى إعادة النظر فى دورهم وقدرتهم على حماية مصالحهم فى حال تحولت السياسات الأمريكية إلى إجراءات أحادية دون التشاور مع الحلفاء.. وتصدر ملف أوكرانيا أولويات الأوروبيين خلال هذا العام، فقد استمرت الحرب الجارية مع روسيا فى اختبار قدرة أوروبا والولاياتالمتحدة على مواجهة التهديدات الروسية، وكان لسياسات ترامب تأثير مباشر على هذا الملف.. فقد أكد الرئيس الأمريكى مرارا أنه يسعى إلى تقليص الالتزام العسكرى المباشر للولايات المتحدة فى أوكرانيا، مع التركيز على دفع الدول الأوروبية لتحمل العبء الأكبر فى دعم الجيش الأوكرانى وتأمين الحدود الشرقية. اقر أ أيضًا | صورة من الداخل.. رئيس متحفز.. وشعب منقسم وقد أثار هذا الموقف قلقا شديدا فى برلينوباريسولندن، حيث بدا واضحا أن أوروبا قد تضطر للعب دور أكبر فى الدفاع عن مصالحها، خصوصًا إذا لم يكن هناك دعم أمريكى مضمون. وفى بريطانيا، مثل ملف جرينلاند اختبارا دبلوماسيا حساسا، فقد حاولت لندن الموازنة بين علاقتها التاريخية بالولاياتالمتحدة وبين التزاماتها تجاه أوروبا وأمن الناتو. وقد انعكس ذلك فى استعداد الحكومة البريطانية لمناقشة نشر قوات فى مناطق استراتيجية مثل جرينلاند، مع الحرص على التنسيق مع واشنطن لتجنب أزمة مفتوحة. وقد أثرت السياسات الأحادية الأمريكية أيضا على الأمن الدفاعى الأوروبى، فقد أعادت الدول الأوروبية النظر فى خطط الإنفاق العسكرى وتعزيز القدرات القتالية لمواجهة أى انسحاب محتمل للولايات المتحدة من التزامات الناتو. وأظهرت التقارير العسكرية أن بعض الجيوش الأوروبية، بما فيها الجيش البريطانى، تعانى من نقص فى المعدات والأفراد، بينما زادت الحاجة إلى التنسيق مع الحلفاء لتأمين قدرات الردع المشتركة فى مناطق النزاع المحتملة، مثل أوكرانيا والبلطيق. وعلى الصعيد الاقتصادى، تسببت السياسات التجارية الانفرادية لترامب فى تصاعد التوتر مع أوروبا، حيث فرضت الولاياتالمتحدة رسوما جمركية على سلع حيوية مثل السيارات والمعدات الصناعية، مما أثر على صادرات الاتحاد الأوروبى وأجبر الحكومات على تقديم دعم مالى لشركاتها. كما كانت السياسات الخارجية الأمريكية الأحادية عاملا إضافيا فى توتر العلاقات، فقد تبنت إدارة ترامب مقاربة تقوم على «المصلحة الأمريكية أولا» فى قضايا الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وأوكرانيا، مع تقليل التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، مما أدى إلى شعور واسع فى باريسوبرلينولندن بأن القرارات الأمريكية تتخذ بعيدا عن المشاورات التقليدية، وأن الثقة بين الجانبين بدأت تتآكل بسرعة. وقد عبر بعض الدبلوماسيين الأوروبيين عن خشيتهم من أن يؤدى النهج الأحادى إلى ضعف الالتزام الأمريكى تجاه أى أزمة مستقبلية، مما يفرض على أوروبا تطوير استراتيجيات مستقلة للردع وحماية المصالح الحيوية. وهكذا، أبرز العام الأول من حكم ترامب تراجع الثقة الأوروبية فى حلف الأطلسى، فقد بدا الأوروبيون بعد أكثر من ستة عقود من التعاون العسكرى والاقتصادى غير متأكدين من مدى التزام واشنطن فى أية أزمات مستقبلية، مما دفعهم إلى التفكير فى آليات دفاعية واقتصادية أكثر استقلالية لضمان الاستقرار وحماية مصالحهم. وخلاصة العام الأول من حكم ترامب تؤكد أن أوروبا واجهت فترة من القلق العميق والمراجعة الاستراتيجية لعلاقاتها مع الولاياتالمتحدة، وقد أبرزت هذه الفترة أهمية الحفاظ على وحدة الأطلسى، مع ضرورة تعزيز القدرات الأوروبية الداخلية، سواء عسكريا أو اقتصاديا، لضمان القدرة على مواجهة أى تصرف أحادى أمريكى قد يهدد مصالح القارة، وفى الوقت نفسه ظهر فى هذه الفترة أن الموازنة بين الردع العسكرى المحتمل والدبلوماسية الحذرة أصبحت ضرورة استراتيجية للحفاظ على التحالف الغربى.