سميحة شتا بعد مرور عام على عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يمكن القول إن السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط اتسمت بحضور كثيف فى الشكل، ومحدودية واضحة فى النتائج. فالإدارة الجمهورية، التى عادت محمولة على خطاب «أمريكا أولًا» بنسخته الصارمة، حاولت إعادة ضبط علاقاتها التقليدية مع دول الخليج، وتوسيع دائرة اهتمامها بملفات إقليمية شديدة التعقيد مثل لبنانوسوريا والسودان وليبيا، معتمدة بدرجة أساسية على سياسة تعيين مبعوثين خاصين، بما يسمح لها بإظهار انخراط دبلوماسى نشط دون التورط المباشر فى استحقاقات سياسية أو عسكرية مكلفة. غير أن حصيلة هذا العام تكشف عن مفارقة لافتة: توسع فى الاهتمام وتعدد فى القنوات، دون إنجازات حقيقية على الأرض، باستثناء تطور نسبى فى العلاقة مع سوريا، التى تحولت إلى الاستثناء الوحيد فى سجل عام ترامب الأول. اقرأ أيضًا | سياسيون: الخطاب الأمريكي يعكس تقديرًا دوليًا لدور مصر المحوري فى علاقاته مع دول الخليج، عاد ترامب إلى المقاربة التى ميزت ولايته الأولى، والقائمة على إعادة الاعتبار للعلاقات الشخصية والصفقات الاقتصادية والعسكرية بوصفها أساس التحالف. فمنذ الأسابيع الأولى، حرص البيت الأبيض على إرسال رسائل تطمين إلى السعودية والإمارات وقطر والكويت، مؤكدًا التزامه بأمن الخليج، ورفضه لأى تراجع فى الدور الأمريكى فى مواجهة إيران. ووفق ما أوردته تقارير أمريكية وخليجية متقاطعة، شهد هذا العام تسارعًا فى صفقات التسليح، وتوسيعًا للتعاون الاستخباراتى، فضلًا عن تنسيق سياسى أوثق فى ملفات إقليمية حساسة، وهو ما أعاد قدرًا من الثقة الخليجية فى واشنطن بعد سنوات من الشكوك حول مصداقية الالتزامات الأمريكية. غير أن هذا التقارب ظل محكومًا بسقف منخفض من الطموح السياسى فترامب، رغم استعادته لغة التحالف التقليدى، لم يقدم رؤية استراتيجية شاملة لأمن الخليج أو لمستقبل التوازنات الإقليمية، مكتفيًا بإدارة العلاقة بمنطق نفعى مباشر. كما أن الدول الخليجية، التى كانت تأمل فى دور أمريكى أكثر حسمًا فى ملفات مثل اليمن أو التصعيد مع إيران أو أمن الملاحة فى البحر الأحمر، لم تجد ترجمة عملية لهذه التوقعات. وبذلك، بدت العلاقة مستقرة من حيث الشكل، لكنها محدودة من حيث التأثير الإقليمى العميق. فى الوقت ذاته، سعت إدارة ترامب إلى توسيع حضورها فى ملفات عربية مأزومة عبر تعيين مبعوثين خاصين، فى خطوة عكست رغبة فى الظهور كفاعل رئيسى دون تحمل كلفة الانخراط المباشر. فى لبنان، عُيّن مبعوث خاص يتولى ملفى الاستقرار السياسى والإصلاح الاقتصادى، مع تركيز واضح على دور حزب الله وانعكاساته على التوازن الداخلى والعلاقات الخارجية. غير أن هذا المسار سرعان ما اصطدم بتعقيدات الواقع اللبنانى، حيث الانقسام السياسى الحاد، وغياب توافق داخلى، وضعف مؤسسات الدولة، فضلًا عن محدودية أدوات الضغط الأمريكية. وبعد عام كامل، لم تسفر الجهود الأمريكية عن أى اختراق فعلى، لا على مستوى إعادة انتظام المؤسسات الدستورية، ولا على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، ما جعل الدور الأمريكى أقرب إلى إدارة الأزمة وتدويرها بدل الدفع نحو حل جذرى. فى السودان، بدا تعيين مبعوث أمريكى بمثابة اعتراف مبكر بأهمية الملف وخطورته على الاستقرار الإقليمى فقد رافق التعيين خطاب أمريكى مكثف حول ضرورة وقف الحرب، وحماية المدنيين، والدفع نحو مسار سياسى شامل. إلا أن الأداء العملى ظل محدودًا، إذ اكتفت واشنطن بلعب دور داعم لمسارات تقودها أطراف إقليمية أخرى، خصوصًا السعودية ومصر والاتحاد الإفريقى. ومع تشابك المصالح الإقليمية، وتعقيد الصراع الداخلى، وضعف أدوات الضغط، فشلت الإدارة الأمريكية فى تحقيق أى اختراق ملموس، وبقى الملف السودانى عالقًا فى دائرة البيانات والتحركات الدبلوماسية غير المثمرة. أما ليبيا، فقد مثلت نموذجًا آخر لهذا النهج فعلى الرغم من تعيين مبعوث أمريكى لإعادة تنشيط المسار السياسى ودعم جهود الأممالمتحدة، لم تظهر واشنطن استعدادًا لبلورة رؤية مستقلة أو ممارسة ضغط حقيقى على الأطراف المتصارعة واستمرت السياسة الأمريكية فى الاكتفاء بمنع الانزلاق نحو فوضى شاملة تهدد المصالح الغربية، دون الاستثمار الجدى فى تسوية سياسية. وبعد عام، ظل المشهد الليبى على حاله، منقسمًا سياسيًا، هشًا أمنيًا، مع حضور أمريكى رمزى أكثر منه فاعلًا. فى المقابل، يبرز الملف السورى بوصفه الاستثناء الوحيد فى سجل عام ترامب الأول. فعلى عكس التوقعات التى رجحت استمرار القطيعة، أبدت الإدارة الأمريكية استعدادًا متزايدًا للتعامل البراجماتى مع دمشق، مدفوعة بجملة اعتبارات، أبرزها تقليص النفوذ الإيرانى، وضبط التهديدات الأمنية، ومواكبة التحولات الإقليمية التى شهدت انفتاحًا عربيًا متزايدًا على النظام السورى. وقد تُرجم هذا التحول فى تعيين مبعوث خاص لسوريا يتمتع بصلاحيات أوسع، عمل على فتح قنوات تواصل غير مباشرة، وتنسيق خطوات مع حلفاء إقليميين. هذا المسار لم يصل إلى مستوى تسوية سياسية شاملة أو رفع كامل للعقوبات، لكنه أفضى إلى تخفيف نسبى للعزلة السياسية، وتفاهمات محدودة فى ملفات أمنية وإنسانية، شملت تسهيل بعض الممرات الإنسانية، وتنسيقًا أمنيًا غير معلن فى ملفات مكافحة الإرهاب. وبالنسبة لإدارة ترامب، شكّل هذا التطور إنجازًا يمكن تسويقه سياسيًا، باعتباره دليلًا على فعالية النهج البراجماتى مقارنة بسياسات العزل السابقة. يعكس عام ترامب الأول فى البيت الأبيض سياسة شرق أوسطية تتسم باتساع دائرة الاهتمام وضيق دائرة الإنجاز فقد سعت الإدارة إلى الظهور كفاعل نشط عبر تعيين مبعوثين وفتح قنوات متعددة، لكنها افتقرت إلى استراتيجية متماسكة قادرة على تحويل هذا الحضور إلى نتائج ملموسة. وباستثناء التطور النسبى فى العلاقة مع سوريا، بقيت الملفات الأخرى رهينة الجمود، تُدار لا تُحل. ومع دخول العام الثانى، يظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت إدارة ترامب ستبقى أسيرة هذا النهج الحذر، أم ستسعى إلى تحقيق اختراقات حقيقية تعيد رسم ملامح الدور الأمريكى فى الشرق الأوسط.