أثار الهجوم الأمريكي الذي قاده الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ضد فنزويلا، واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، عاصفة من الجدل داخل الأوساط السياسية والقانونية الدولية، وسط تحذيرات من أن ما جرى لا يمثل عملية عسكرية عابرة، وإنما سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل قواعد النظام الدولي القائم منذ عقود. وبينما بررت إدارة ترامب تحركها باعتباره جزءًا من استراتيجية أمن قومي جديدة لاستعادة النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، حذّر خبراء ومسؤولون من أن تجاهل واشنطن لمجلس الأمن والكونجرس قد يمنح قوى كبرى مثل روسياوالصين ذريعة لتكرار السيناريو نفسه في مناطق حساسة مثل أوروبا الشرقية وآسيا، بما ينذر بتقويض ما تبقى من القانون الدولي. سلّطت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، الضوء على التداعيات الأوسع للعملية الأمريكية في فنزويلا، معتبرة أن إدارة ترامب ربما تكون قد مزقت ما تبقى من المعايير الدولية التي تنظّم استخدام القوة، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى الجيوسياسية. اقرأ أيضًا| ماذا بعد اعتقال مادورو؟.. تلميحات أمريكية ل«الخطوة التالية» في فنزويلا الجانب السلبي لعملية ترامب في فنزويلا يرى عدد من الخبراء أن قرار ترامب مهاجمة فنزويلا واعتقال رئيسها، مع التعهد بإدارة البلاد إلى أجل غير مسمى، جرى دون أي تفويض من الكونجرس الأمريكي أو الأممالمتحدة، وهو ما يمثل خرقًا مباشرًا لقواعد الشرعية الدولية. ويحذّر هؤلاء من أن مثل هذا النهج يبعث برسالة خطيرة إلى خصوم واشنطن، مفادها أن استخدام القوة واعتقال قادة أجانب بات أمرًا مقبولًا خارج إطار القانون الدولي. هل تستنتج روسياوالصين أن الطريق أصبح مفتوحًا؟ يطرح محللون تساؤلًا محوريًا بشأن: إذا كانت الولاياتالمتحدة ترى لنفسها حق الهجوم على دول أخرى واعتقال قادتها بحجة تهديد الأمن القومي، فما الذي يمنع موسكو أو بكين من تبني المنطق نفسه؟ ويشير النقاد إلى أن هذا التطور قد يشجع روسيا على تبرير تحركاتها في أوكرانيا في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، أو يمنح الصين مبررًا لتصعيد خطواتها تجاه تايوان، دون اكتراث بردود الفعل الدولية. تحذير من الكونجرس الأمريكي في هذا السياق، حذّر السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي، من أن تجاوز هذا الخط يمثل نقطة تحول خطيرة. وأكد وارنر، أن إقرار واشنطن بحقها في اعتقال قادة أجانب بالقوة يفتح الباب أمام قوى استبدادية لاستغلال هذا النموذج، محذرًا من أن القواعد التي تحدّ من الفوضى العالمية ستبدأ في الانهيار فورًا. وخلال مؤتمر صحفي، وصف ترامب العملية بأنها واحدة من أكثر العروض العسكرية الأمريكية قوة وفعالية في التاريخ، كاشفًا أن الهدف لا يقتصر على تغيير النظام، بل قد يمتد إلى سيطرة أمريكية طويلة الأمد. ورغم نفي الإدارة الأمريكية سابقًا نيتها التدخل العسكري، فإن تصريحات ترامب جاءت متناقضة مع برنامجه الانتخابي لعام 2024، الذي تعهد فيه بتجنب التدخلات الخارجية. اقرأ أيضًا| بعد اعتقال مادورو.. أبرز المواقف الدولية على العملية الأمريكية في فنزويلا النفط الفنزويلي لم يُخفِ ترامب رهانه على النفط الفنزويلي، معتبرًا أن أي تكاليف أمريكية ستُعوض من "ثروات تُستخرج من باطن الأرض". وأكد أن شركات نفط أمريكية ستتولى "استعادة الممتلكات المصادرة"، إلى جانب إصلاح قطاع الطاقة، متعهدًا بجعل فنزويلا "غنية ومستقلة وآمنة"، وفق تعبيره. وفي تصعيد لافت، لم يستبعد ترامب إرسال قوات برية إذا لزم الأمر، كما لمح إلى إمكانية التحرك عسكريًا ضد المكسيك وكولومبيا. وفي تصريحات لقناة «فوكس نيوز» الأمريكية، قال إن المكسيك "تدار من عصابات المخدرات"، معتبرًا أن الوضع هناك يتطلب تدخلًا حاسمًا. ويُقارن محللون بين ما جرى في فنزويلا وغزو العراق عام 2003، الذي اعتُبر حينها ضربة قوية لشرعية القانون الدولي. لكن الفارق، بحسب الخبراء، أن إدارة جورج بوش سعت على الأقل للحصول على غطاء دولي، بينما تجاهلت إدارة ترامب كليًا مجلس الأمن والكونجرس، ما يجعل الضربة الحالية أكثر فداحة. انتقادات قانونية حادة وصف هارولد كوه، أستاذ القانون الدولي بجامعة ييل، ما جرى بأنه انتهاك صارخ لميثاق الأممالمتحدة، مؤكدًا أن الاعتقال خارج الحدود يفتقر لأي أساس قانوني، وقد يواجه طعونًا قضائية داخل الولاياتالمتحدة نفسها. وأدان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو العملية الأمريكية، معتبرًا أنها تخالف مبدأ عدم استخدام القوة. في المقابل، دعا الاتحاد الأوروبي إلى ضبط النفس، مؤكدًا ضرورة احترام القانون الدولي، رغم تشكيكه في شرعية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. بعد ساعات من الهجوم، أدانت الصين العملية بشدة، ووصفتها بسلوك هيمني ينتهك القانون الدولي، خاصة وأن مادورو كان قد التقى مسؤولًا صينيًا رفيعًا قبل الهجوم بساعات، بينما كان دبلوماسيون صينيون لا يزالون في العاصمة الفنزويلية كاراكاس. هل نجح مبرر مكافحة المخدرات؟ رغم تأكيد ترامب أن فنزويلا مصدر رئيسي للمخدرات، فإن بيانات أمريكية رسمية تشير إلى أن دورها محدود مقارنة بالمكسيك وكولومبيا، ما يضعف المبرر الأساسي للعملية. ورغم إمكانية استفادة فنزويلا من انتقال سياسي تقوده المعارضة، فإن ترامب نفسه خفّف من التوقعات، مشككًا في قدرة ماريا كورينا ماتشادو على قيادة البلاد، رغم فوز مرشحها في انتخابات 2024. وأخيرا، استحضر التقرير سجل التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، والتي انتهى معظمها بالفشل، من جواتيمالا وتشيلي إلى هايتي وبنما، مؤكدًا أن المخاطر غالبًا ما تفوق المكاسب، وأن فنزويلا قد لا تكون استثناءً من هذه القاعدة القاسية. اقرأ أيضًا| بروفايل| نيكولاس مادورو.. الزعيم الفنزويلي الذي تحوّل هدفًا للولايات المتحدة