فتح مكتب المدعي العام في باريس تحقيقًا لكشف ملابسات تعرض وزارة الداخلية الفرنسية للاختراق السيبراني من قبل مجموعة من الهاكرز أطلقوا على أنفسهم اسم شاين هانترز، حيث استهدفوا حسابات البريد الإلكتروني لضباط الشرطة، مما مكنهم من اختراق النظام. يعود تاريخ الحادثة إلى أوائل ديسمبر الحالي، عندما داهم العشرات من ضباط الشرطة المدججين بالسلاح من فرق البحث والتدخل، المعروفين بخبرتهم في التعامل مع المجرمين الخطرين من قراصنة الإنترنت المبتدئين، بلدة صغيرة بمنطقة ليموزين تدعى هوت فيين وألقوا القبض على شاب يبلغ من العمر 22 عامًا. تبين أن المتهم يدعى ميلفين ل، والملقب ب»SSRQM»، عبقري الكمبيوتر، ولديه سجل جنائي سابق في عمليات الإحتيال الإلكتروني، حيث تشتبه الشرطة في تورطه في الهجوم الإلكتروني، الذي وصفته الصحافة الفرنسية بالمُحرج الذي استهدف وزارة الداخلية، وخضع للاستجواب من قبل الضباط، إلا أنه التزم الصمت خلال التحقيقات. أسند التحقيق إلى مركز الدفاع السيبراني التابع لوزارة الداخلية الفرنسية، ومكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية التابع للشرطة القضائية، بالتعاون مع الوكالة الوطنية الفرنسية لأمن المعلومات، حيث يعكف المحققون لمعرفة دور المتهم في القضية سواء كان هو الجاني المباشر أم شريك أم وسيط أو قدم دعمًا لوجستيًا فقط. وكشف المحققون، عن أن المخترقين تمكنوا من الوصول ملفات حساسة تابعة للشرطة، لا يسمح بالإطلاع عليها إلا لجهات إنفاذ القانون، حيث تشمل هذه الملفات سجلات المحكمة التي تضم قائمةً بجميع المواطنين الذين تم استجوابهم كمشتبه بهم أو ضحايا في قضايا، بالإضافة إلى الجرائم المرتكبة. كما تضم الملفات أيضا التي اخترقت، ملف المطلوبين أمنيًا شديد السرية، الذي يضم جميع الأفراد الخاضعين للمراقبة أو الذين يُراد اعتقالهم، وفقا لصحيفة لوباريزيان، ويشمل هذا الملف، على وجه الخصوص، ملفات «S» سيئة السمعة ، التي تضم أسماء المشتبه بهم الذين يشكلون تهديدًا للدولة، مثل الإرهابيين أو أعضاء الحركات أو الجماعات السياسية العنيفة. الحصول على ملفات سرية وأكد وزير الداخلية الفرنسية، لوران نونيز، أنهم اكتشفوا أن المخترقين استخرجوا ما يقارب مائة ملف خلال الهجوم الإلكتروني، بعد أن تمكنوا من الوصول إلى حسابات البريد الإلكتروني لضباط إنفاذ القانون، ثم حصلوا على كلمات المرور للوصول إلى ملفات هيئة السياحة والإعلام السرية وملفات مكتب المدعي العام بمجرد تبادل رسائل بريد إلكتروني نصية عادية. ووفقًا له، فقد حدث هذا الخرق الأمني نتيجةً لقلة الوعي الأمني الرقمي، حيث تم تبادل كلمات المرور التي تتيح الوصول إلى الملفات المحمية «كنص عادي» عبر حسابات بريد إلكتروني مهنية مخترقة، وقد مكّن هذا الاختراق واحدًا أو أكثر من المخترقين من الاطلاع على ملفات «بالغة الحساسية»، ولا سيما ملف معالجة السجلات الجنائية وملف المطلوبين، وهما ملفان أساسيان لعمل جهات إنفاذ القانون. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن مدى اختراق الهاكرز لأنظمة تكنولوجيا المعلومات غير واضح، حيث يتطلب الوصول إلى قواعد بيانات حساسة الإتصال أولا ببوابة آمنة تُسمى Cheops، مخصصة لوزارة الداخلية، كما أنه لا يمكن الاتصال بهذه المنصة عبر شبكة محددة إلا بواسطة أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الآمنة التابعة للشرطة، مما أثار الشكوك حول إمكانية وجود جهات خارجية مشاركة في عملية الاختراق. وخلال التحقيقات، أعلنت مجموعة معروفة من مجرمي الإنترنت، تُدعى «شاين هانترز»، مسئوليتها عن الهجوم عبر الإنترنت على الوزارة، ولكن حتى الآن بالنسبة لوزارة الداخلية الفرنسية، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الادعاء انتهازيًا أم حقيقيًا، وما إذا كان المتهم ميلفين عضوا في المجموعة أم لا؟ ونشر حساب غامض يدعى إندرا رسالة باللغة الإنجليزية، على منصة تدعى «أمازون الجرائم الإلكترونية»، زعم فيها حصوله على نحو 16 مليون ملف بيانات حساسة من وزارة الداخلية، وهدد بنشر هذه المعلومات للوزارة إن لم تتواصل معه، وادعى المخترقون أن تصرفهم جاء ردًا على اعتقال مجرمين إلكترونيين آخرين من مجموعة «صائدو البريق» قبل بضعة أشهر. وأشارت جماعة «إندرا» إلى أن أعضاءها تمكنوا من الوصول إلى نظام «خوفو»، وهو نظام التداول الهرمي لسجلات العمليات الشرطية الآمنة، حيث تتيح هذه البوابة، المشتركة بين الشرطة والدرك، الوصول إلى ملفات متنوعة، بما في ذلك رخص القيادة وقاعدة بيانات الإرهاب وأسماء وبيانات المطلوبين أمنيًا. وكشفت صحيفة «لو فيجارو» أن خطورة الهجوم كانت أكبر من المتوقع، لافتة إلى أنه بغض النظر عن حجم البيانات التي سرقها المخترقون، يبقى الحادث مثيرًا للقلق، ويشير إلى أن وزارة حكومية أساسية، في صميم السلطة، تتعرض للهجوم، وهو شكل من أشكال الإرهاب الإلكتروني لتهديد الحكومة، ومن خلالها، أمن وحياة مواطنيها. ويميل التحقيق إلى اعتبار الأمر مجرد خلافات بين قراصنة شباب غير ناضجين، وليس عملاً عدائيًا من قبل جهاز استخبارات أجنبي، إلا أن وزير الداخلية أكد أن الأمر سيتطلب تحقيقًا إداريًا لتحديد المصدر الدقيق للاختراق، الذي حدث على الرغم من جميع إجراءات الحماية التي يتبعونها. وبحسب الخبراء، تتعرض وزارة الداخلية الفرنسية، لأنواع شتى من الهجمات الإلكترونية، كان من أشهرهم ما حدث في عام 2016، عندما سُرّبت البيانات الشخصية من أرقام وعناوين ل 112 ألف ضابط شرطة، ووفقًا لمزاهم المخترقين الجدد، فقد سُرقت بيانات تخص 16 مليون شخص. ويرى الخبراء أنه مثل هذه الحوادث، تعني أنه يوجد أمور تحتاج إلى تغيير، وضرورة توفير التوعية، وقبل كل شيء، ضرورة تعزيز الحماية والأمن السيبراني، إذا كانوا لا يريدون التعرض لنفس النوع من الهجمات في الأسابيع المقبلة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات البلدية والتصويت الحضوري للمواطنين. ورجحوا أن فرضية التدخل الأجنبي مستبعدة، وأنهم عبارة عن مجموعة من المخترقين الشباب الذين يسعون إلى عملٍ مثيرٍ للجدل، ولاسيما لوضع أنفسهم على «رقعة الشطرنج» في عالم الجريمة الإلكترونية، حيث لم يكشفوا إلا عن لقطة شاشة ضبابية للغاية للبيانات في محاولة فقط لزيادة الضغط، وهو ما يؤكد وجود فشل جماعي حقيقي في الأمن. وأمام ذلك، يشعر الفرنسيون بالقلق إزاء العواقب الوخيمة لحملات الهجمات الإلكترونية واسعة النطاق ضد المؤسسات والشركات والبنية التحتية الحيوية، وبحسب استطلاع رأي نشرته صحيفة لوموند، أعرب 79% من المشاركين عن قلقهم إزاء خطر الهجمات الإلكترونية، لا سيما في ظل السياق الجيوسياسي الراهن المتمثل في الحرب في أوكرانيا والخوف من قراصنة الإنترنت الروس. وعي الفرنسيين وكشف الإستطلاع عن ازدياد وعي الفرنسيين بهذه المشكلة، وبات لديهم تصور واضح لأكبر المخاطر التي تهدد حياتهم اليومية؛ إذ يعتقد 72% منهم بوجود خطر كبير يتمثل في إمكانية شلّ الخدمات الإدارية العامة جراء هجوم إلكتروني، بينما يخشى 71% منهم توقف خدمات الطوارئ الشرطة والإطفاء بشكل كامل. وفي السياق ذاته، يخشى ثلث المشاركين في الاستطلاع انقطاع التيار الكهربائي، أو كارثة صناعية، أو حادث نووي، كما يتوقع 59% منهم حدوث اضطراب في سلاسل الإمداد الغذائي عقب هجوم إلكتروني واسع النطاق، وأجمعوا على أنه لا يوجد شيء اسمه انعدام المخاطر، لكن آلة التخويف تعمل بكامل طاقتها. ويركز مجرمو الإنترنت عادةً على الهجمات المتعلقة بالإحتيال المالي والوصول غير المصرح به إلى الحسابات، وتمثل هذه الهجمات الرقمية أكثر من 60% من إجمالي الهجمات الإلكترونية في فرنسا، إلا أنهم تمكنوا من اختراق قلب النظام، وهو فضاء رقمي شديد الحماية تابع لوزارة الداخلية الفرنسية. وبحسب وكالة الأمن السيبراني الفرنسية زادت عدد الهجمات الإلكترونية بنسبة 15%، ووفقا للتقرير السنوي عن الجرائم الإلكترونية 2024، فقد ارتفعت الهجمات الرقمية بنسبة 40% خلال السنوات الخمس الممتدة من 2019 إلى 2023، وخلص التقرير إلى أن استمرار التهديد لا يزال اتجاهًا أساسيًا. وفي الوقت الذي يؤكد فيه وزير الداخلية أنه لا يوجد خطر على سلامة الفرنسيين من عملية الاختراق، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا وفقا لخبراء الأمن السيبراني؛ إذ يستخدم 300 ألف شخص قواعد البيانات الحساسة، بمن فيهم ضباط الشرطة الوطنية، والدرك، والعاملون في القضاء. ولا يزال التحقيق جاريًا لتحديد كيفية اختراق هذه الملفات، مرجحين أن تكون أسماء وعناوين مرتكبي الجرائم أو الأفراد المدرجين على قائمة المخاطر الأمنية، والواردة في ملف المطلوبين، قد حُذفت، وهو ما قد يُسبب مشكلات في إجراءات المراقبة المتعلقة بهذا النوع من البيانات. ووفقًا لمعلومات الهيئة الوطنية لحماية البيانات، يحتوي ملف نظام السجلات الجنائية الآلي على معلومات شخصية تخص 24 مليون شخص، أي ما يعادل ثلث سكان فرنسا، كما تحتوي قاعدة بيانات سجلات الأفراد على ما يقارب 640,000 ملف نشط لأفراد مطلوبين لأسباب مختلفة. وقد ينتهي المطاف بهذه البيانات في فضاء عام يتشاركه آلاف مستخدمي الإنترنت، دون علم الأفراد المعنيين، الذين قد يتعرضون للإبتزاز، كما قد تتعرض التحقيقات الجارية للخطر جراء تسريب بعض هذه المعلومات، التي لا يمكن للعامة الوصول إليها، أما بالنسبة للمحققين، فيتمثل التحدي الرئيسي في تحديد البيانات التي يمتلكها المخترقون وكيفية استخدامهم لها. اقرأ أيضا: بالفيديو| مقتل 11 شخصًا في جزيرة «مايوت» الفرنسية بسبب إعصار