سميحة شتا مع نهاية عام 2025، يقف لبنان مرة أخرى أمام سؤال سيادى مركزى لم يتمكن من حسمه منذ عقود: من يمتلك فعليًا قرار الحرب والسلم؟ سؤال لم يعد نظريًا أو مرتبطًا بالسجالات السياسية الداخلية فحسب، بل تحوّل إلى عامل حاسم فى موقع لبنان الإقليمى، وفى علاقته مع إسرائيل، وفى طبيعة المخاطر التى تتهدد كيانه واستقراره. فى قلب هذه المعضلة يبرز حزب الله، بوصفه الفاعل العسكرى الأبرز خارج إطار الدولة. على مدى سنوات طويلة، راكم حزب الله قدرات عسكرية وتنظيمية جعلته القوة الأكثر تسليحًا وتنظيمًا فى لبنان، هذا التفوق لم يعد موضع نقاش جدى فى الداخل اللبنانى، بقدر ما أصبح جزءًا من المعادلة السياسية والأمنية القائمة.. ومع تصاعد التوتر على الجبهة الجنوبية فى أعقاب حرب غزة، بدا هذا الواقع أكثر وضوحًا. فقرار الانخراط فى المواجهة، أو تحديد سقفها، لم يصدر عن المؤسسات الدستورية اللبنانية، ولا عن مجلس الوزراء أو رئاسة الجمهورية أو قيادة الجيش، بل ظل محصورًا ضمن دائرة قرار حزبية ضيقة، تُدار بمعايير سياسية وعسكرية إقليمية. فى المقابل، وجدت الدولة اللبنانية نفسها فى موقع المتلقى، تكتفى بإدارة التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية لأى تصعيد، من دون امتلاك أدوات فعلية لمنعه أو التحكم بمساره. اقر أ أيضًا | رئيس وزراء لبنان: لا أعتقد أن هناك خطر اقتتال داخلي هذا الخلل البنيوى فى مفهوم السيادة وفّر لإسرائيل ذريعة سياسية وعسكرية جاهزة. ففى الخطاب الإسرائيلى الرسمى، يُقدَّم لبنان بوصفه دولة فاقدة للسيطرة على أراضيها، ومختطفة من قبل تنظيم مسلح، ما يتيح لإسرائيل تبرير استهدافها للبنية التحتية اللبنانية، وتهديد المدنيين، ورفع منسوب التهديد باجتياح أو حرب شاملة، تحت عنوان «الدفاع عن النفس». ورغم أن حزب الله يشكّل القوة العسكرية الأكثر حضورًا وتأثيرًا، فإن المشهد اللبنانى لا يقتصر عليه وحده. فلبنان، بحكم تاريخه الحديث، لا يزال يحمل إرث الحرب الأهلية فى بنيته السياسية والحزبية، حيث نشأت معظم القوى الكبرى من رحم تنظيمات مسلحة، حتى وإن غيّرت أدوارها وأشكالها. فى هذا السياق، تبرز القوات اللبنانية بوصفها نموذجًا لتحول ميليشيوى سابق إلى حزب سياسى شرعى. فبعد أن كانت إحدى أبرز الميليشيات المسيحية خلال الحرب الأهلية، أعادت القوات اللبنانية تموضعها عقب اتفاق الطائف، متخلية رسميًا عن العمل العسكرى، ومنخرطة فى الحياة السياسية والبرلمانية، من دون امتلاك سلاح منظم أو قرار عسكرى مستقل فى المرحلة الراهنة. إلا أن هذا التحول، على أهميته، لم يُلغِ البعد الرمزى لتجربتها السابقة، ولا تأثير خطابها السياسى الحاد، الذى يتمحور حول مفهوم السيادة ورفض السلاح غير الشرعى. فى ظل هذا الواقع المركّب، تبدو الدولة اللبنانية الطرف الأضعف فى المعادلة. فهى عاجزة عن بسط سيادتها الكاملة، وغير قادرة على حماية أراضيها من الاعتداءات، أو منع استخدامها كساحة لتصفية حسابات إقليمية.. مع نهاية عام 2025، يظهر لبنان عالقًا فى حلقة مفرغة يصعب كسرها فى المدى المنظور. حزب الله يمتلك، بحكم الواقع، قرار الحرب والسلم. إسرائيل توظف هذا الواقع ذريعة لتكريس اعتداءاتها وتهديداتها. الدولة غائبة أو مغيّبة، غير قادرة على فرض سيادتها أو حماية مواطنيها.