محمد كمال "هابي نيو يير يا نرجس".. جملةٌ سينمائيةٌ شهيرة، صارت مع مرور الزمن خيطًا خفيًا يربط السينما المصرية بليلة رأس السنة الميلادية، جملةٌ تتجدّد كل عام، وتفيض على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها أيقونة احتفالية، تُستعاد وتُكتب وتُتداول كطقسٍ جماعي يعلن وداع عام واستقبال آخر، تلك الكلمات التي نطق بها رؤوف الساحر، الذي جسّده يحيى الفخراني، مخاطبًا "نرجس" التي أدّت دورها فاتن حمامة، في فيلم "أرض الأحلام"، الفيلم الذي دارت أحداثه كلها في يومٍ واحد، هو يوم رأس السنة، حيث يصبح الزمن نفسه بطلًا خفيًا، وتتحوّل الليلة إلى مساحة للأمل والتيه معًا، وقبل أيام قليلة من العبور إلى عامٍ جديد، يغيب عن عالمنا صانع هذه الجملة وروحها الأولى، المبدع الذي صاغها وتركها تنساب على لسان الساحر، في لحظةٍ عابرة أصبحت خالدة، برحيله، تفقد السينما المصرية واحدًا من أهم مخرجيها وكُتّاب سيناريوها في تاريخها، وأحد أكثر فنانيها نُبلًا وصدقًا.. المخرج داود عبد السيد. هناك مخرجون تظل أسماؤهم محفورة في الذاكرة السينمائية، رغم أن عدد الأفلام التي قدّموها لا يتناسب مع سنوات نشاطهم الطويلة، مخرجون راهنوا على الكيف لا الكم، فكان تأثيرهم عميقًا ومتجذرًا، لا يقاس بعدد الأعمال بل ببصمتها، وإذا ما أعددنا قائمة بهؤلاء في السينما المصرية، فإن اسم داود عبد السيد يتصدرها دون منازع. في تاريخ السينما المصرية الحديثة، يطل اسم داود عبد السيد بوصفه حالة فنية نادرة، لا تنتمي إلى السائد ولا تتعالى عليه، بل تقف في منطقة وسطى شديدة الحساسية، حيث يلتقي السؤال الفلسفي بالهمّ الاجتماعي، وتتمازج الحكاية الشعبية مع التأمل الوجودي، هو مخرج لم يصنع أفلامًا كثيرة، لكنه صنع عالمًا متماسكًا، له لغته الخاصة، وإيقاعه البطيء المتعمّد، ونظرته القلقة إلى الإنسان والمجتمع والأهم علاقته المتشابكة والمعقدة مع السلطة، جاء داود عبد السيد من خلفية ثقافية ومعرفية، انعكست مبكرًا على اختياراته، بدا واضحًا أنه لا يسعى إلى سينما الترفيه أو الاستهلاك، بل إلى سينما تطرح الأسئلة، حتى وإن بدت هذه الأسئلة مربكة أو غير مريحة. لم يقدّم داود عبد السيد سوى 9 أفلام فقط، وهو رقم يبدو ضئيلًا مقارنة بعمره الفني، لكنه رقم بالغ الدلالة إذا ما قيس بثقل هذه الأعمال وقيمتها الفنية والفكرية، وربما لهذا السبب يصبح من الصعب، بل من شبه المستحيل، أن نختار فيلمًا واحدًا بوصفه الأفضل في مسيرته، هل هو "الكيت كات"؟ أم "أرض الخوف"؟ أم "سارق الفرح"؟ أم "البحث عن سيد مرزوق" ؟ داود عبد السيد مخرجٌ ومؤلفٌ سينمائي مخلص للسينما وبشكل خاص لسينما المؤلف، إذ كتب بنفسه ثمانية أفلام من أصل تسعة، عبر أفلامه، لم يكن ينقل حكايات بقدر ما كان يترجم أفكاره وأحاسيسه وهواجسه وهمومه إلى صور، وهي بالضرورة أفكار وأحاسيس وهموم المواطن المصري العادي، المنتمي إلى الطبقة المتوسطة، المرتبط بمجتمعه، والمثقل بأزماته النفسية، وعلاقته الملتبسة بالسلطة، اشتغل داود على تشريح النفس البشرية بعمق وهدوء، مقدّمًا شخصيات مركبة تجمع بين نوازع الخير وبذور الشر، بعيدًا عن النماذج المثالية أو النمطية السطحية. ينتمي داود عبد السيد إلى جيل الثمانينيات، ذلك الجيل الذي عُرف باسم "الواقعية الجديدة"، والذي يُعد من حيث التأثير والعمق واحدًا من أهم الأجيال في تاريخ الفن المصري عمومًا، والسينما خصوصًا، جيل من المخرجين وكتاب السيناريو اقتربوا من منتصف العمر وهم يحملون زخم التجربة ووعي التحولات. عاصروا التحولات السياسية الكبرى، والتقلبات الاقتصادية، ورصدوا عن كثب الانحدار المجتمعي وصعود التيارات المتشددة. يُحسب لداود عبد السيد إخلاصه المطلق للسينما، إذ لم يفكر يومًا في الهروب إلى التلفزيون أو المسرح، حتى في أشد فترات أزمة السينما المصرية، خصوصًا في بدايات التسعينيات، ظل متمسكًا بمعشوقته، محاربًا من أجل الاستمرار، وكان من القلائل الذين عن وعي وقصد كسروا التابوهات الثلاثة في السينما المصرية، تلك المحظورات التي طالما ترددت السينما في الاقتراب منها، خاض داود بسببها معارك طويلة؛ مع الرقابة الرسمية أولًا، ثم الرقابة المجتمعية ثانيًا، فالرقابة الفئوية ثالثًا، لم يلتفت إلى الوصايا والقيود التي كانت تفرد أجنحتها لعرقلة الفن وتقليص دوره، بل كانت أفلامه من بين الأسلحة القليلة التي ناضلت من أجل حماية عرين السينما المصرية. بدأت مسيرة داود عبد السيد مع السينما الروائية الطويلة عام 1985 بفيلم "الصعاليك" من بطولة نور الشريف، ومحمود عبد العزيز، ويسرا، ومها أبو عوف، ولم تكن التجربة مجرد فيلمًا عن الفقر بقدر ما هو عن الوعي الطبقي الملتبس، وعن التحولات القيمية في مجتمع يعيد ترتيب نفسه وفق منطق السوق والانتهازية، بطلا الفيلم نموذجان متوازيان للنجاة في عالم فقد بوصلته الأخلاقية، أما في "البحث عن سيد مرزوق" الذي عرض عام 1990، في ظاهره يبدو الفيلم كرحلة بحث تقليدية، وينطلق البطل إلى عالم آخر، يختلف جذريًا عن حياته الرتيبة، واعتمد داود عبد السيد على تفكيك بنية الحكاية التقليدية، الحكاية بوصفها متاهة، لا توجد نقطة وصول حقيقية، ولا كشف نهائي للغز، سيد مرزوق ليس شخصًا بقدر ما هو فكرة، أو رمز، أو مركز قوة متحرك، لا يُمسك به أبدًا، البحث لا ينتهي لأن السلطة لا تُرى بوضوح، بل تُستشعر عبر آثارها، والفيلم من بطولة نور الشريف وآثار الحكيم ولوسي وعلي حسانين وشوقي شامخ. مع فيلم"الكيت كات" الذي أنتج عام 1991 يدخل داود عبد السيد مرحلة أكثر نضجًا وشاعرية، وهو الفيلم، المقتبس عن رواية إبراهيم أصلان "مالك الحزين"، يتحول في يد المخرج إلى تأمل بصري وفلسفي في معنى الحرية، "الشيخ حسني"، الضرير الذي يرى أكثر من المبصرين، يصبح رمزًا للإنسان الذي يخلق عالمه الخاص في مواجهة واقع خانق، الحي الشعبي هنا ليس مجرد خلفية، بل كائن حي، ينبض بالتفاصيل الصغيرة، والوجوه العابرة، والأحلام المؤجلة، والفيلم شارك في بطولته محمود عبد العزيز وشريف منير وعايدة رياض. يأتي فيلم "أرض الأحلام" عام 1993 والوحيد الذي تعاون فيه مع السيناريست، كعمل يبدو للوهلة الأولى أكثر هدوءًا وأقرب إلى الحكاية الإنسانية البسيطة، لكنه في جوهره ينطوي على واحدة من أكثر الرؤى قسوة وصدقًا عن الحلم المصري في لحظة التحول الكبرى، هو فيلم عن الأحلام الصغيرة لا الكبيرة، عن الخلاص الفردي، وعن امرأة عادية تحاول النجاة في عالم يضيق يومًا بعد يوم، حتى يصبح الحلم نفسه سلعة قابلة للبيع، عن الحلم بوصفه ضرورة لا ترفًا، هذا الحلم لا يُقدَّم بوصفه طموحًا رومانسياً أو نزوة عابرة، بل كاستجابة نفسية واجتماعية لحالة انسداد خانقة، "أرض الأحلام" ليست مكانًا محددًا، بل وعدًا ضبابيًا، يُعاد تشكيله وفق خيال كل شخصية، ليس فيلمًا عن الهجرة فقط، بل عن مجتمع لم يعد يَعِد أبناءه بشيء، فصاروا يبحثون عن وعد بعيد، ولو كان هشًا، شارك في بطولة الفيلم فاتن حمامة ويحيى الفخراني وهشام سليم. وفي عام 1995 وعن رواية خيري شلبي يقدم داود عبد السيد فيلم "سارق الفرح"، فيلم عن الفقد لا بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل كحالة يومية، وعن الفرح لا بوصفه حقًا مكتسبًا، بل كشيء هش، قابل للسرقة في أي لحظة، ومن عنوانه، يضعنا المخرج أمام مفارقة أخلاقية من يسرق الفرح؟ أهو الفرد، أم المجتمع، أم الزمن ذاته؟، من خلال رجل يجاور الموت يوميًا، في مجتمع اعتاد أن يتجاهل فكرة الفناء، أو يتعامل معها بوصفها طقسًا عابرًا، "راضي" لا يسرق الفرح بالمعنى المباشر، لكنه يعيش في منطقة معتمة، حيث الفرح نادر، وحيث الفقد جزء من الروتين، الفرح دائمًا ناقص ومبتور مؤجل. زواج لا يكتمل، حب يظل مهددًا، رغبات بسيطة تُقابل بعوائق أكبر من حجمها، لا يحكي داود عبد السيد عن سرقة فعلية، بل عن منظومة كاملة تسحب الفرح من الناس بهدوء، دون ضجيج أو صدمة. شارك في بطولة الفيلم ماجد المصري ولوسي وعبلة كامل ومحمد هنيدي وحنان ترك وحسن حسني. أما أكثر الأفلام إشكالية على مستوى السينما العربية كان "أرض الخوف" الذي أنتج عام 2000، حيث يطرح سؤالًا مهما، هل يمكن للإنسان أن يظل نقيًا وهو يغوص في قلب الشر؟ الضابط يحيى الذي يتخفى داخل عالم الجريمة يفقد تدريجيًا الحدود بين الدور والحقيقة، بين التكليف والاختيار، والدولةلا تقدم إجابات بقدر ما تزرع الشك، مهمة تشرح العلاقة المعقدة بين السلطة والمعرفة، وبين الفرد والمؤسسة، ويترك المشاهد في منطقة رمادية، بلا خلاص واضح، رافضًا أن يمنحه إجابات نهائية، ليس مجرد فيلم عن ضابط يتخفّى في العالم السفلي، ولا حكاية بوليسية عن تجارة محرّمة وحدود القانون، بل هو تأمّل مؤلم في معنى الاختيار، وفي تلك المسافة الهشّة بين الإنسان وما يمكن أن يصير إليه حين يطيل النظر في العتمة، فيلم عن السلطة حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، وعن الإنسان حين يُترك وحيدًا في اختبار طويل بلا نهاية محددة، ويعد الفيلم من أهم الأعمال التي قدمها أحمد زكي في مسيرته. وفي 2001 يأتي فيلم "مواطن ومخبر وحرامي" الذي شارك في بطولته خالد أبوالنجا وصلاح عبدالله والمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم وهند صبري، حيث يطرح علاقة المواطن بالسلطة وبالآخر، من خلال علاقة نادرة تجمع بين 3 شخصيات تتقاسم الحياة وتتبادل الأدوار، في رؤية عميقة لإمكانية "إصلاح الحال" عبر تفاهمات هشة بين ثلاثي أطراف اللعبة (المواطن – المخبر – الحرامي)، حكاية عن التعايش الذي يبدو قسريا، وعن تلك المفارقة العجيبة التي تجعل المتناقضين ينامون تحت سقف واحد، ويتقاسمون الخبز والقلق والمصير، يضع داود عبد السيد شخصياته في مساحة إنسانية ضيقة، حيث تتبادل الأدوار، ويذوب الحد الفاصل بين من يراقب ومن يُراقَب، وبين من يسرق ومن يُسرَق منه، السلطة ليست وحشًا مطلقًا، بل حالة يومية، تتسلل إلى العلاقات، وتعيد تشكيلها بصمت. يبتعد داود عبد السيد – رغماً عنه - عن معشوقته لمدة 9 أعوام قبل أن يطل من جديد عام 2010 بفيلم "رسائل البحر" الذي يعود خلاله إلى الإسكندرية، لا بوصفها مدينة رومانسية، بل كمكان للتصالح مع الذات، البطل الهارب من صخب القاهرة يجد نفسه في مواجهة ماضيه وأسئلته المؤجلة، البحر هنا ليس رمزًا للاتساع فقط، بل للغموض والقلق، والإغراء ، يقدم رسائل عن الوحدة وعن الإنسان حين يختار الهروب لا ليبتعد، بل ليقترب أخيرًا من ذاته، والفيلم من بطولة آسر ياسين وبسمة ومحمد لطفي وسامية أسعد. وفي 2015 يطرح داود عبد السيد أخر أفلامه والذي حمل اسم "قدرات غير عادية" الذي يمثل محاولة لقراءة العلاقة بين العلم والخرافة، بين السلطة والوعي الشعبي، الطبيب الذي يبحث في ظاهرة طفل يُعتقد أن لديه قدرات خارقة، يكتشف تدريجيًا هشاشة العقل العلمي حين يواجه مجتمعًا مأزومًا، يبحث عن المعجزة كتعويض عن غياب العدالة والمعنى، والفيلم شارك في بطولته خالد أبوالنجا ونجلاء بدر وعباس أبو الحسن وأحمد كمال. اقرأ أيضا: الأقصر للسينما الأفريقية يهدي دورته ال15 لروح داوود عبد السيد