في لحظة تبدو فيها خرائط النفوذ العالمي أقل استقرارًا مما كانت عليه منذ نهاية الحرب الباردة، تعود جرينلاند إلى واجهة الجدل الجيوسياسي، فما يحدث اليوم لا يقتصر على خلاف دبلوماسي عابر، بل يكشف عن عودة منطق القوة والمصالح الجامدة إلى صميم السياسة الدولية، مع ما يحمله ذلك من رسائل مقلقة لأوروبا والعالم. قرار كوبنهاجن استدعاء السفير الأمريكي الأسبوع الماضى ليس مجرد مسرحية دبلوماسية، بل يأتى ردًا على إشارة حقيقية صادرة من واشنطن، بأن جرينلاند لا تزال تحتل موقعًا متقدمًا على الرادار الاستراتيجي الأمريكي. ومع تعيين مبعوث خاص جديد إلى جرينلاندلا تقوم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإحياء نقاش قديم فحسب، بل تعيد إحياء عقيدة كاملة، وفقًا لما ذكرته وكالة "رويترز". ◄ اقرأ أيضًا | ترامب: الاستحواذ على «جرينلاند» ضرورة ملحة للأمن القومي الأمريكي وقد جرى تقديم تعيين «جيف لاندرى» مبعوثًا خاصًا لجرينلاند فى الخطاب الأمريكي بوصفه خطوة تهدف إلى التنسيق والحوار، غير أن الكاتبة ألكسندرا شارب، فى تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية ترى أن هذه الخطوة تعيد تنشيط طموحات أمريكية مرتبطة بالمعادن الاستراتيجية، وممرات الشحن فى القطب الشمالى، والتمركز العسكرى. وكان ترامب قد طرح علنًا فكرة شراء جرينلاند خلال ولايته الأولى، لكنه قوبل حينها برفض دانماركى صارم. والجديد اليوم ليس فى جوهر النية، بل فى النبرة والتوقيت؛ فتصريحات الرئيس ترامب الأخيرة، وصف فيها جرينلاند بأنها «ضرورية للأمن الأمريكى»، وأكد أن جميع الخيارات، بما فيها استخدام القوة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد خطاب دعائي، إذ إن امتناعه عن استبعاد العمل العسكرى ضد أراضى دولة حليفة فى حلف الناتو دفع العواصم الأوروبية إلى التعامل مع ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه استعراض لفظى باعتباره احتمالًا استراتيجيًا جديًا. فجاء ردها حازمًا؛ إذ أكد وزير خارجيتها لارس لوكه راسموسن، أن جرينلاند ليست للبيع، وأن أى تلميح بخلاف ذلك غير مقبول، وقد وحّد القادة الأوروبيون صفوفهم، حيث أصدرت فرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية بيانات تدعم سيادة جرينلاند، وفقًا لما ذكره موقع "بوليتيكو". لكن لا ينبغى الخلط بين الوحدة الأوروبية والثقة؛ فالمسئولون الأوروبيون يدركون أن تهديدات ترامب تأتى ضمن نمط أوسع، ففى الوقت ذاته تعيد واشنطن إحياء خطاب «جميع الخيارات مطروحة» تجاه فنزويلا، مع التلميح إلى احتمالات تغيير النظام. وعندما تُظهر إدارة واحدة استعدادها لاستخدام الإكراه فى القطب الشمالي والبحر الكاريبي معًا فإن الأمر ليس من قبيل الصدفة. فالمنطق المُحرّك هنا ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو مادى ومرتبط بالمصالح، حيث تمتلك جرينلاند احتياطيات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة واليورانيوم والمعادن الحيوية التى تزداد أهميتها للتقنيات المتقدمة والأنظمة العسكرية، كما أن موقعها الجغرافى يشكّل ركيزة أساسية لمنظومة الدفاع الصاروخى الأمريكية ولمراقبة القطب الشمالى. أما فنزويلا فلا تزال موطنًا لأكبر احتياطيات نفطية مؤكدة فى العالم. وغالبًا ما يُنظر إلى خطاب ترامب على أنه مبالغ فيه، إلا أنه فى هذه الحالة يتماشى مع وثائق استراتيجية أمريكية راسخة، تعتبر منع الخصوم من الوصول وضمان أمن الموارد، والسيطرة على الممرات الحيوية قضايا وجودية، وقد تحوّل القطب الشمالى بهدوء من هامش الاهتمام الدولى إلى مسرح مركزى فيما بات يُعرف ب«الحرب الباردة الجديدة».