القاهرة تنظر إلى الصومال بوصفه دولة يجب أن تُستعاد لا أن تُقسّم، وأن معالجة أزماته تمر عبر دعم مؤسساته لا تقويضها ما جرى فى الصومال لا يمكن التعامل معه كحدث عابر أو زلة دبلوماسية عابرة فى دفتر السياسة الدولية، نحن أمام لحظة كاشفة لمنطق القوة العارية حين تُترك بلا رادع، إسرائيل التى تمارس الاحتلال يوميًا فى فلسطين، وتغرق غزة فى الدم والركام، قررت فجأة أن تنصّب نفسها قاضيًا يمنح الاعتراف ويمسح الشرعية، وكأنها دولة طبيعية لا سجلًا أسود ممتدًا من الاغتصاب السياسى والجغرافى. الاعتراف الإسرائيلى بما يسمى الكيان المنفصل فى شمال الصومال ليس دعمًا لحق تقرير المصير كما تحاول بعض الدوائر تلميعه، بل استثمار فَجّ فى هشاشة دولة أنهكتها الحروب والتدخلات، ومحاولة لزرع كيان تابع فى منطقة شديدة الحساسية، القرن الإفريقى، حيث تتقاطع التجارة والأمن والممرات البحرية، وحيث تبحث إسرائيل منذ سنوات عن موطئ قدم يتجاوز حدودها المصطنعة. الأخطر فى المشهد أن كيانًا قام أصلًا على فكرة الانفصال القسرى عن محيطه، وعلى طرد السكان الأصليين وإعادة هندسة الأرض والذاكرة، يتعامل مع الانفصال كأداة سياسية مشروعة حين يخدم مصالحه، ومرفوض حين يهدد وجوده، هذه الازدواجية ليست خطأ فى التقدير، بل جوهر العقيدة السياسية الإسرائيلية منذ نشأتها. إسرائيل لا ترى فى الصومال دولة ذات سيادة، بل ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج نموذج السيطرة غير المباشرة، كيان صغير معزول يعتمد على الحماية الخارجية، ويتحول بمرور الوقت إلى منصة استخباراتية وعسكرية واقتصادية، وهذه ليست قراءة نظرية، بل نمط متكرر فى سلوكها من جنوبلبنان سابقًا إلى الجنوب السورى وبعض مناطق إفريقيا اليوم. فى هذا السياق يصبح الاعتراف جريمة سياسية مكتملة الأركان، كونه لا يكتفى بانتهاك وحدة دولة عضو فى الأممالمتحدة، بل يفتح الباب لتفكيك دول أخرى تحت ذريعة الاعتراف المتبادل، ويحول القانون الدولى من مرجعية حاكمة إلى ديكور انتقائى، يُستدعى حين يخدم الأقوياء ويُدهس حين يعارضهم. الموقف المصرى هنا لا يُقرأ باعتباره تضامنًا تقليديًا أو التزامًا بروتوكوليًا، بل باعتباره دفاعًا صريحًا عن فكرة الدولة الوطنية نفسها، مصر تدرك أن اللعب بورقة الانفصال فى إفريقيا ليس بعيدًا عن الأمن القومى العربى، وأن إشعال بؤر التفتيت فى القرن الإفريقى يعنى تهديدًا مباشرًا للبحر الأحمر ولمعادلات الاستقرار الإقليمى. القاهرة تنظر إلى الصومال بوصفه دولة يجب أن تُستعاد لا أن تُقسّم، وأن معالجة أزماته تمر عبر دعم مؤسساته لا تقويضها، ومن هنا جاء الرفض المصرى الحاسم، لأن السماح لإسرائيل بفرض أمر واقع هناك يعنى فتح شهية قوى أخرى على تكرار التجربة فى أماكن مختلفة. الفارق الجوهرى بين الموقف المصرى والموقف الإسرائيلى أن الأول ينطلق من منطق الدولة والقانون، بينما ينطلق الثانى من منطق الغنيمة السياسية، إسرائيل لا تبحث عن استقرار الصومال، بل عن صومال أضعف، ممزق، قابل للاختراق، لأن الدول القوية لا تُشترى، أما الكيانات الهشة فدائمًا معروضة فى سوق المصالح. الهجوم الإسرائيلى على وحدة الصومال هو امتداد طبيعى للهجوم على وحدة الأرض الفلسطينية، المنطق واحد، تفتيت الجغرافيا، خلق وقائع جديدة، ثم فرضها كأمر لا رجعة فيه، الفرق فقط فى الأدوات، أما الجوهر فثابت، السيطرة عبر التقسيم، والشرعية عبر القوة. الخطير أن الاعتراف الإسرائيلى لا يستهدف الصومال وحده، بل يختبر صلابة النظام الدولى نفسه، هل مازالت وحدة الدول مبدأ غير قابل للمساومة، أم سلعة قابلة للتجزئة حسب موازين القوة، وهنا تتجاوز الأزمة بعدها الإفريقى لتصبح سؤالًا عالميًا عن مستقبل الدولة الوطنية. من هنا تأتى أهمية الاصطفاف العربى والإفريقى خلف الموقف المصرى، لأن التراخى فى هذه اللحظة لا يعنى فقط خسارة الصومال، بل تشجيع نماذج انفصالية أخرى ستجد فى السلوك الإسرائيلى سابقة جاهزة للتكرار، وهذا بالضبط ما تسعى إليه تل أبيب، عالم مفتت يسهل التحكم فى أطرافه. فى النهاية نحن لا نواجه اعترافًا دبلوماسيًا، بل هجومًا سياسيًا منظمًا على فكرة السيادة، ومحاولة جديدة من الكيان المحتل لتبييض صورتها عبر العبث بجغرافيا الآخرين، والموقف المصرى هنا ليس موقف دولة تدافع عن دولة، بل موقف دولة تدافع عن منطق كامل، منطق يقول إن الاحتلال لا يصنع شرعية، وإن من يقتل شعبًا لا يملك حق الاعتراف بحقوق الشعوب الأخرى.