خليل صويلح كنتُ أول ضحايا الرقابة فى السلطة الجديدة بمنع إعادة طباعة روايتى «جنّة البرابرة» (دار العين- القاهرة 2014)، وهذا فأل شؤم على أى حال، إذ لم يخطر فى بالى أن يجد الرقيب العتيد مادة دسمة للإطاحة بمحتوى الرواية بما يتعلّق بالتنظيمات التكفيرية التى استباحت البلاد حينذاك، كما ستطال الملاحظات عنوان الرواية باعتباره ملغوماً حادثة ستتكرر بمرايا مجاورة تتكئ على أجندة معلنة فى شيطنة الثقافة السورية السابقة بوصفها نتاجاً لثقافة حزب البعث، وهو ما انعكس على كل الحقول الثقافية بما فيها المناهج المدرسية وأسماء المدارس، وإذا بنزار قبانى وعمر أبو ريشة وخليل مردم بك وملكة تدمر زنوبيا يجدون أنفسهم خارج الأسوار، كما سيُبدل اسم صحيفة تشرين/ أكتوبر، باسم «الحرية»، وإلغاء عيد الشهداء من قائمة الأعياد الرسمية. ما حدث ثقافياً هو توطين الشعر العمودى فى دار الأوبرا، ودروس الفقه فى صالات السينما، وأدعية المتسولين على أرصفة المولات والأبراج والمستشفيات كان علينا أن نفكك جرثومة الطغيان بما يوازى حضورها طوال نصف قرن، لكن جرثومة من الفصيلة ذاتها أخذت تنمو فى أمعاء البلاد كنوع من عسر الهضم بسطوة تخمة نشوة النصر، ثم ما المغزى من إعادة الاعتبار لكتب وقبر ابن تيمية فيما لا تزال عشرات المقابر الجماعية مجهولة؟ ما نفعله، ما نتجادل به، ما نحاوله، ردم حفرة الاستبداد والخروج نحو الضوء، وسقاية زهرة البهجة بماء الحلم، إلا أننا نفشل بشكلٍ مريع عند كل محاولة، ذلك أن نشرة أخبار واحدة تعيدنا إلى نقطة الصفر، بمجزرة، بمجزرتين، بثلاث، بحوادث خطف، بمظلوميات طوائف، بقصف ليلي، بحرائق غابات، بمشاريع تقسيم خريطة ممزّقة فى الأصل، باقتراح نشيد وطنى جديد، بملصقات تدعو للفضيلة، بأوركسترا الطبل دون بقية الآلات الموسيقية الأخرى، ذلك أن المطبّلين وحدهم يحتلون الساحات والشاشات والمنصّات بخطاب أجوف وشعارات ورايات مستلّة من أكفان الأجداد الملطّخة بدمٍ قديم، وثارات لم تفقد صلاحية استعمالها إلى اليوم. بلاد تمحو أرشيفها بدمغة مضادة، لكن فحصاً عاجلاً للمحتوى سيقودنا إلى نسخة فوتوكوبى عن الأصل، بالأمراض نفسها لجهة الاستحواذ والإلغاء والإقصاء، وإذا بالغنيمة هى المشتهى والمرتجى بألف دهليز ودهليز نمشى فى شوارع البلاد بهوية بصرية لا تشبهنا، فما حدث فعلاً، هو تغيير لون قضبان القفص لا نوع المعدن. قفص يتسع ويضيق وفقاً لمنسوب الأمل أو منسوب الاحتضار. ما جرى حقاً، هو تحطيم تماثيل الطاغية الأب، وصور الابن، فى فجر اليوم الأول للسقوط (8 نوفمبر/ كانون الأول-2024): يوم تاريخى أقرب إلى المعجزة الإلهية فى تقشير طبقات الخوف، فها نحن نتنفّس هواءً آخر لم نألفه قبلاً فى مجرى الرئتين، كمن يغتسل بماء مقدّس من آثام الأمس، لكننا فى المقابل لم نتحرّر من آثار الحبل على العنق هناك كدمة زرقاء مثل وشم أبدى يصعب محو آثاره بالتوازى مع حجم دمّلة الطغيان وإفرازاتها اللاحقة من القيح والبثور والجراثيم. سيتكشّف المشهد باكراً عن مستنقعٍ آخر، ولقالق تقف على ساقٍ واحدة، عاجزة عن الطيران، وممارسات همجية، وخطاب شعبوى ينطوى على نصّ ماضوى مغلق، غارق فى الحفرة نفسها، من دون حبل نجاة. منام وردى انتهى باكراً إلى فصل فى الجحيم، فهذه ليست البلاد التى كنّا ننتظرها بعناق مؤجل منذ نصف قرن! أحاول تحسين دقّة الصورة الجماعية للبلاد لكننى أفشل فى كلّ مرة، حتى عن طريق خدمة الفوتوشوب فهناك ما يتسرّب من الإطار، ويزعزع الطمأنينة المؤقتة، ذلك أن روح الغنيمة تهيمن على المشهد، وتزيح ما لا يشبهها، وكأن ما حدث هو غنيمة حرب لا أكثر ولا أقلّ يستوى فى هذا التوصيف تفكير النخبة والعوام لجهة الهتاف، وتكسير الركب، ونشوة النصر. هكذا اندحرت الوطنية السورية بلبطة فى الخاصرة، لمصلحة الطائفة، وميثاق الفزعة، وأدوات الثأر البدوي، وتعميم ثقافة اللحى. اليوم، لا صوت يعلو على صوت الطوائف إلى درجة رفع اسم سورية كبلد من التداول بقوة دفع المصلحة الشخصية فى الانزلاق نحو الكراسى الوثيرة بوثيقة تفاهم مغفلة الختم والتاريخ. وسط هذا الهباء، حدث ما يشبه الانزال المظلى على المؤسسات الثقافية السورية، سواء فى منظمة اتحاد الكتّاب العرب أو اتحاد التشكيليين أو وزارة الثقافة، أسماء بلا نسب إبداعى احتلت الواجهة ببرامج هزيلة وقصائد عمودية فى مديح اللحظة، ومنع استيراد الآلات الموسيقية، ومنع «التلاحم الجسدي» فى دروس معهد الباليه، وتوقّف المجلات الثقافية عن الصدور، وسرقة قطع أثرية نفيسة من المتحف الوطني، ومركز البحوث التاريخية، دون محاكمة الجناة. عموماً لم تكن أحوال الثقافة السورية يوماً بخير بغياب حرية التعبير إلا أن المثقف كان يتسلل من شقوق المؤسسة الرسمية باجتراح نصوص مضادة، ولغة مراوغة، سواء فى الأدب أو السينما أو المسرح بعيداً عن مظلة البعث التى اهترأت تدريجياً، لتتمحور لاحقاً حول فكرة «الأبد» كشعار دائم فى تمجيد الاستبداد، إلا أن تحطيم تماثيل الأب (270 تمثالاً)، وصور الابن، لم يلغِ المشهد القديم، إنما أعاد إنتاجه باستراتيجية مشابهة قيد التشكّل، تعمل بمنطق الاستحواذ وإزاحة المثقف الوطنى عن منابرها بقوة دفع الجهل وعدم الخبرة فى تزييت السكة او المحرّك. لا ثقافة سورية واضحة اليوم، فالمشهد ضبابى ومعتم، عدا جيوش الذباب الإلكترونى فى الفضاء الأزرق فى معاركها الشرسة فى الدفاع عن السلطة الجديدة أو تلك التى تواجهها بالمعجم النفيس للشتائم المتبادلة من مشتل الكراهية. الآن، فى هذا التوقيت، تدور معارك طاحنة حول استبدال النشيد الوطنى القديم بنشيد جديد بذريعة ان نشيد «حماة الديار» يمثّل عهد البعث، لكن فحصاً خاطفاً لتاريخ النشيد القديم الذى كتبه الشاعر خليل مردم بك يعود إلى عام 1938، أى قبل استلام حزب البعث السلطة بأكثر من ربع قرن، وأن حماة الديار هم حملة القلم والبندقية، وليس الجيش العربى السوري، والمصيبة أن أحد الشعراء الطلليين أكثر المرشحين حظاً فى كتابة النشيد الجديد! معارك من هذا الطراز تتكرّر كل يوم بارتجالات تقع فى باب الفكاهة المرّة تحت بند «ثقافة الغنيمة»، أو شعار «من يحرّر يقرّر». نماذج سنصادفها فى معظم المؤسسات الثقافية الرسمية، كأن يدير الهيئة العامة السورية للكتاب، مدقّق لغوي، وقس على ذلك! حال الاصطفاف هذا انزلق من طبقة العوام إلى النخب، إذ لا مسافة بينهما فى اختيار الخندق ونوع الطلقة وجهة الدريئة، وشجرة النسب القبلية. ما بينهما سنقع على محاولات هشة لجمعيات ثقافية أهلية تحاول أن تجد متراساً لها وسط غبار المعركة، من دون تأثير جدّى فى الفضاء العام.