محمد حجيرى قال لى صديقى الناشر وصاحب المكتبة البيروتى إن بيع الكتب أصبح شبه متوقف منذ حرب السابع من أكتوبر 2023. الذين كانوا قد حجزوا بعض العناوين اعتذروا وتراجعوا عن أخذها، وانشغلوا بيوميات الحرب ونشرات الأخبار ترافق ذلك مع دخول طرف لبنانى القتال من بوابة الجنوب، بالتالى صار لبنان عملياً فى قلب الجحيم، وقد تبدلت معايير التعامل فى الكثير من الأنشطة الثقافية والسينما والمسرح، وبقى المشهد مظلماً واحتاج وقتاً من أجل التعافي، لكن العلاقة بالكتاب بقيت متأرجحة ولم تتبدل أفضت الحال بالصديق الناشر إلى صرف موظفيه، وهم قلة فى الأساس: عاملة هاتف وسائق دراجة ومديرة مبيعات، وبقى وحيداً مع كتبه المكدسة فى البيت ذى الطراز العمرانى القديم بدل أن يبيع منتجه، صار يتلقى الكتب القديمة مجاناً من بعض الأصدقاء والصديقات، الذين فاضت الكتب فى مكتباتهم، وأصبحت تحتاج مكاناً ومستودعاً، وتبدلت علاقتهم بأطر المعرفة بالكتاب والورق. قال لى الناشر إن الموزعين لم يعودوا يتقبلون استلام الكتب بالأمانة، كأن وجود الكتاب صار عبئاً عليهم بسبب الكساد والانكماش، وبعض المكتبات تزود زبائنها بالكتب بناء على الطلب والدفع المسبق، والكتاب الذى كان يبيع سريعاً ما يجرى تزويره ويباع بسعر زهيد فى ضواحى بيروت. لقد اكتملت الأزمة من كل الجوانب: الحرب، وانهيار العملة المحلية والرواتب، وانتشار القرصنة، وإطلاق الذكاء الاصطناعي، وموجات الريلز والتوكتوك والانفلونسر. الآن صديقنا الناشر يبحث عن طرائق أخرى للتعامل مع الكتب المكدسة من خلال تحويل الدار إلى مقهى تفاعلي. كأن المواطن يحتاج إلى صيغة جديدة من إعادة بناء علاقته بالكتب والقراءة. لا أحد يقف فى وجه التكنولوجيا، فمنذ أن صارت الذاكرة الصغيرة فى الهاتف المحمول أو الأيباد تحمل آلاف العناوين من مختلف الكتب واللغات ومن دون تكلفة، ومن دون عناء البحث فى الجوارير أو بين الأرفف. تبدلت أطر القراءة، مالت نحو التسطيح، المشاهدة لا التمعن، وباتت الكتب الورقية فى دائرة الخطر الفعلي، ومصير دور النشر، عاجلاً أم آجلاً، سيكون مثل مصير الصحف الورقية التى توقفت فى بيروت، والتى لم يتوقف منها فهى تصدر رفع عتب، إذ لم يبق من عشرات أكشاك الصحف فى شارع الحمرا (شارع الصحف فى بيروت) إلا ثلاثة، وأيضاً باتت مبيعات الصحف هامشية فيها. حتى الكتابة نفسها دخلت فى دائرة الخطر مع ظهور طلائع الأعمال الباهتة المنتجة عبر الذكاء الاصطناعي، وقد توقع بعض المحللين والمعلقين أن المؤلف سيتحول إلى مجرد محرر فى المستقبل مع انتشار ما يسمى «المساعد الذكي» ونماذج الذكاء الاصطناعى عبر الهواتف وأجهزة الكمبيوتر. وما يقال عن الكتابة يقال عن السينما والموسيقى والغناء والصحافة. فى مقابل احتضار الكتب الجديدة، وارتباط ما تبقى من مبيعها بالتواقيع وجبر الخواطر والصداقات والمجاملات والنفوذ، هناك رواج للكتب القديمة النافدة والمجلات الفنية. وهناك موجة الكتاب والكاتبات والشعراء والشاعرات الجدد، كأنهم أتوا من سياق آخر من الثقافة السائدة، ربما الخواطر ركيزتهم الأساس فى الكتابة. لا تيارات، لا مشاريع، لا مجموعات أدبية فعلية، لا أطناب، لا تجارب، أسماء موسمية تظهر فى معرض كتاب بيروت وتختفي. كتابات تشبه بعضها، كأنها تغرف من مصدر واحد، ومكتوبة بقلم واحد. لا تيارات نقدية، لا مجلة ثقافية مستقلة، فى مقابل عشرات المواقع الممولة التى تهتم باليسار والنسويات والاقتصاد وأمور أخرى، كأن كل شيء يرتبط بالتمويل، يتبدى ذلك من مئات الأعمال التى تقدم على مشاريع تمولها جمعيات، وبعض الكتاب يخطون روايات ويراهنون على الجوائز لا القراء. إنها «الحداثة السائلة» التى تحدث عنها الكاتب البولندى البريطانى زيجمونت باومان (1925 - 1971)، وقد استهل كتابه بعبارة لبول فاليري: «لم يعد بوسعنا أن نطيق أى شيء يدوم، لم نعد نعلم كيف يمكننا أن نفيد من الملل»، وهو استهلال له دلالة فى سياق ما يريد أن يقوله باومان، وهو أن العالم يتجه نحو مزيد من السرعة والميوعة والتبدل المستمر إلى حد غير من طبيعة الإنسان المعاصر الذى لم يعد يحتمل أشكال الثبات والديمومة، وهو إنسان الحداثة السائلة التى يحاول باومان أن يحللها. وفى بيروت، حيث لم يبق شيء على حاله، ليس علينا إلا الطلل والبحث عن الماضى فى ظل صدمة المستقبل.