الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله.. اقرأ أيضًا | رئيس قطاع الفنون التشكيلية يتابع أعمال تطوير "متحف بيت الأمة" تُعدّ حرية التعبير من الركائز الأساسية للفن التشكيلى، إذ تُمَكِّن الفنان من ترجمة أفكاره ومشاعره ورؤاه تجاه الإنسان والمجتمع والعالم من حوله، غير أن هذه الحرية لا تأتى بمعزل عن السياق الاجتماعى والثقافى والأخلاقى الذى يُنتَج فيه العمل الفنى، فالفن رغم طابعه الإبداعى، يظل فعلًا إنسانيًا مؤثرًا يتفاعل مع المتلقى ويترك بصمته فى الوعى العام، الأمر الذى يجعل حرية التعبير فيه حرية واعية ومسئولة، وليست مطلقة أو منفصلة عن القيم والضوابط التى تحفظ توازن المجتمع وتحترم حقوق الآخرين. هناك لوحات فنية تعكس ميول الفنان وتوجهاته تجاه مجتمعه، حيث يسعى من خلالها إلى معالجة العديد من القضايا، مُستخدمًا ريشته وأفكاره ورؤيته الخاصة، ومع ذلك، يبقى من الضرورى مراعاة البُعد الأخلاقى فى العمل الفنى، إذ إن حرية التعبير فى الفن التشكيلى ليست مطلقة، فهى شأنها شأن السينما، قد تنحرف أحيانًا عن هدفها الأساسى، كما لاحظنا فى كثير من الأعمال السينمائية خلال الآونة الأخيرة، الأمر الذى يؤكد أهمية الالتزام بالمسئولية الفنية والاجتماعية. اللوحة تجربة بصرية قد يتهمنى البعض بأننى ضد حرية التعبير، وهذا شأنهم، غير أن ما يعنينى فى هذه القضية هو طرح سؤال جوهرى: مَن الذى يملك سلطة تحديد ما يُعرض وما لا يُعرض داخل القاعات التشكيلية التابعة للدولة؟ وما المعايير والأسس التى يستند إليها أصحاب القرار فى قبول عمل فنى أو رفضه؟ إنها أسئلة مشروعة تفتح باب النقاش حول آليات الاختيار، وحدود المسئولية، والعلاقة بين حرية الإبداع والمؤسسات الثقافية الرسمية. وهل يليق عرض الأعمال التى تحمل إسقاطات مباشرة وغير مباشرة داخل تلك القاعات، حتى وإن قام الفنان بشرحها عبر كتابة تفصيلية مرافقة للعمل؟ وهو تقليد أراه جديدًا نسبيًا على الفن التشكيلى، إذ لم نعتد من قبل أن يشرح التشكيليون أعمالهم بالكلمات، فالعمل الفنى كان ولا يزال مفتوحًا لتأويلات متعددة، وقد يراه كثيرون على نحو مختلف تمامًا عمَّا يقصده الفنان، إذ إن قراءة اللوحة، كما تعلمنا واعتدنا، تُترك للناقد والمتلقى، لا للنص المرافق، بوصفها تجربة بصرية وجمالية قائمة بذاتها. «إخطار» تحتضن قاعة «أفق» الكائنة بمتحف محمود خليل وحرمه، حاليًا، معرض «إخطار» للفنان وليد عبيد، الذى تَخَرَّج فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عام 1992 بتقدير امتياز، وله العديد من الأعمال المقتناة فى متحف الفن الحديث، ومتحف الجزيرة، إلى جانب عدد من المؤسسات. ورغم إعجابى بموهبة هذا الفنان وثراء أفكاره فى كثير من تجاربه، فإن لديَّ بعض التحفظات على عدد من الأعمال المعروضة فى هذا المعرض، والحقيقة أننى شاهدت معظم هذه الأعمال من قبل، وقد عُرضت فى إحدى القاعات الخاصة، إلا أننى فوجئت بوجودها اليوم داخل قاعة مهمة من قاعات الدولة. وأرى أن من بين الأدوار الأساسية لهذه القاعات الرسمية، مراعاة التقاليد والقيم المجتمعية من خلال سياسة العرض والاختيار. وإلا يظل التساؤل قائمًا: لماذا لم تُعرض هذه الأعمال ضمن إطار المعرض العام، على سبيل المثال، إذا كانت منسجمة تمامًا مع معاييره؟ حرية التأويل الأعمال التى أشير إليها لن يتم نشرها هنا لأسباب عديدة، إلا أن ما لفت انتباهى هو وجود تعليق مصاحب لإحدى اللوحات كتبه الفنان نفسه لشرح العمل الفنى، وهو أمر يُثير التساؤل، خاصة أن الفنان كتب فى كتالوج المعرض: هنا تكون اللوحة، حيث تعجز الكلمات، تظهر اللوحة التى تواجهك بالحقيقة تمامًا كمرآة تُحدثنا عن جدليات الحياة وما هو مسكوت عنه»، ورغم تحفظى على عرض تلك اللوحة واندهاشى من الموافقة على عرضها، فإن ما كتبه الفنان عن عجز الكلمات عن وصف أى لوحة يأتى متعارضًا مع لجوئه إلى شرح هذه اللوحة تحديدًا بالكلمات، وهو تناقض يفتح بابًا للنقاش حول جدوى النص المصاحب، وحدود دوره، وعلاقته بحرية التلقى والتأويل. المباشرة الصادمة إن معالجة القضايا الاجتماعية تُعدّ أمرًا ضروريًا وواجبًا على الفنانين، غير أن هذه المعالجة لا ينبغى أن تتم من خلال عرض الأجساد أو التلميح بأوضاع حيوانية مُنفِّرة. فهناك العديد من الأساليب والرؤى الفنية التى كان من الممكن اللجوء إليها لتناول تلك القضايا بعمق وذكاء دون الوقوع فى المباشرة الصادمة، ومن وجهة نظرى المتواضعة، يظل هناك فارق جوهرى بين القاعات الحكومية الرسمية والقاعات الخاصة، سواء من حيث شروط العرض أو طبيعة المحتوى، إذ تتحمل القاعات الرسمية مسئولية ثقافية ومجتمعية أكبر فيما تقدمه للجمهور.