طلب منى عدم الحضور مرة أخرى وأبلغنى أن الأمن يمكن أن يقبض علىّ إذا عاودت المجىء إلى هذا المكان فى السنة النهائية بكلية الإعلام جامعة القاهرة كان مطلوبًا منا إعداد مشروع التخرج.. عرضت على أستاذتى الدكتورة عواطف عبد الرحمن أن يكون مشروعى عن جماعة الإخوان.. اندهشت ولم تصدق نفسها وشجعتنى على ذلك بل قالت لى نصًا «لو عملته بالفعل حياخد امتياز». لم أكن أدرى وقتها صعوبة مثل هذا المشروع وأهميته وما يحيط به من عراقيل وخطورة الاتصال بالجماعة رغم أنها لم تكن محظورة وقتها وكانت فى أوج مجدها بعد أن أفرج الرئيس الراحل أنور السادات عن قادتها وسمح لهم بالعمل السياسى بل وشجعهم عليه خاصة داخل الجامعات.. المهم أسقط فى يدى وأصبحت مطالبًا بإتمام المشروع الذى تصديت له وحدى. كانت الجماعة فى أوج نشاطها بالجامعات المصرية خاصة فى جامعة القاهرة التى شهدت بزوغ أول لجنة دينية للجماعة فى كليّة طب قصر العينى بجامعة القاهرة تحت اسم لجنة «التوعية الدينية» المتفرعة عن اللجنة الثقافية باتحاد الطلبة ومن أبرز مؤسسيها عبد المنعم أبو الفتوح وامتدّ نشاطها إلى جامعات أخرى كجامعة أسيوط على يد صلاح هاشم. وشاركت الجماعة الإسلامية بطب القاهرة فى انتخابات اتحاد الطلبة عام 1977 لتفوز بأغلبية مقاعد مجالس (8) جامعات حكومية من أصل (12) جامعة كانت قائمة فى تلك الفترة وحصلت على أقلّ من النصف فى مجالس الجامعات ال(4) الباقية. أعود إلى حكايتى مع مشروع تخرجى وسألت أين أستطيع أن أجد أحدًا من الجماعة للحديث معه فكانت وجهتى إلى حى السيدة زينب. قبلها قمت بزيارة مكتبة الجامعة العامرة بكل صنوف الكتب وبدأت قراءة كل ما صادفنى عن تاريخ الجماعة وأيقنت وقتها أننى وضعت قدمى على أولى خطوات المشروع الذى لم يتم. دلنى البعض إلى إحدى الزوايا بشارع جانبى بالمنطقة فدخلت إليها قبل صلاة الظهر وعندما انتهينا من الصلاة تقابلت مع أحد الأشخاص وكان من هيئته أنه كبير المكان وسألنى لماذا جئت إلى هنا فقلت له إننى أعد مشروع تخرجى فى الجامعة عن جماعة الإخوان المسلمين. أخذنى الرجل الذى علمت بعدها أنه صالح عشماوى أحد كوادر الجماعة إلى خارج الزاوية وطلب منى عدم الحضور مرة أخرى وأبلغنى أن الأمن يمكن أن يقبض علىّ إذا عاودت المجىء إلى هذا المكان وعلىّ أن أنسى هذا المشروع تمامًا. أدركت فيما بعد من حديثى مع الرجل أنه كان يشك فى منذ أن شاهدنى أصلى معهم فى هذه الزاوية وأنه كان يعتقد أننى مندسًا عليهم من قبل الأجهزة الأمنية التى كانت تراقبهم. صالح عشماوى الذى عرفت بعد ذلك أنه صحفى ورئيس تحرير مجلة «النذير» ومجلة «الإخوان المسلمون» و»الجريدة اليومية» وأحد قادة النظام الخاص السرى بجماعة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد وتوفى عام 1983، نصحنى ألا أغامر واختار مشروعًا آخر بعيدًا عن السياسة. لم أكن أدرك أن الجماعة كانت تسمح بالتجنيد العائلى فقط أو أهل الثقة فيمن يتم ترشيحه من قبل أعضاء الجماعة فقط. لم يكن الرجل سهلًا بل كان أقرب إلى الثعلب فلم يتركنى إلى حال سبيلى إلا بعد أن رافقنى إلى الشارع العمومى وتأكد تمامًا أننى جئت إليه فى الوقت الخطأ وأننى لا أصلح للتجنيد وقتها. الإخوان جماعة منعزلة على نفسها ومنغلقة إلا على أعضائها وعضواتها من الأخوات.. يتزوجون من بعضهم البعض ولا يثقون إلا فى أنفسهم.. الطاعة العمياء مبدأهم، فالإخوانى لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم وليس له رأى بعد قيادته. رحم الله أنور السادات فقد أعادهم إلى الحياة وهم من قتلوه!