جريمة مروعة أقل ما توصف به أنها تعكس أسوأ ما قد تُبتلى به النفس البشرية حين تهون دماء بني آدم على أقرب الأقربين لهم، فيستحلون سفك الدماء ويهللون لذلك كما لو كان الضحية لا يمت لأهل العقول بصلة، وبين هذا وذاك كان الجناة من أهل الخروج عن القانون وأرباب السوء والشر، لا يطيقهم الناس وينفرون منهم، بينما كان من بينهم شقيقهم الذي أوقعه نصيبه أن يكون فرعًا من شجرة الحنظل تلك، لكنه أبى وتركهم وعاش بعيدا، بيد أن الإجرام الذي ملأ قلوب أهله جعلهم يتربصون به ويسفكون دماءه ودماء حماه حتى أردوا الأخير قتيلًا وأشاعوا توزيع «الشربات» فوق جثمانه أمام أعين الناس. لم يكن «سعيد عبدالرازق»، الخباز البسيط الذي تخطت أعوامه نصف قرنٍ من الزمان، يتخيل أن دفاعه عن كرامته وستر ابنته سيقودانه إلى مواجهة مفتوحة مع الموت، في وضح النهار، وأمام أعين العشرات داخل سوق قريته الصغيرة «شيبه» التابعة لنطاق مركز شرطة الزقازيق وسط محافظة الشرقية، فهو الرجل الذي قضى عمره بين عمله أمام النار ولقمة العيش الحلال، لم يعرف عنه أهل القرية سوى الهدوء وحسن السيرة، لكن حياته انتهت نهاية مأساوية بعد اعتداء وحشي أوقف قلبه، ورحل تاركًا أسرة مكلومة وسوقا يئِن تحت سطوة الخروج عن عادات أهل القرية الطيبة. قبل سنواتٍ طوال بدأ عمله منذ شبابه بين ربوع القرية، عرفه أهل البلدة بملامحه الهادئة ووجهه الذي أسمر من حرارة الأفران، لم يكن طرفًا في نزاعات أو مشاجرات، فهو البسيط الذي لم يحمل يومًا سلاحًا أو تهديدا لأحد، كل ما كان يرجوه حياة مستقرة وبناته في ستر، ولقمة نظيفة نتاج عمله في كسب قوت يومه بالحلال أمام لهيب الأفران خبازا لعيش الناس، غير أن القدر وضعه في قلب صراع عائلي معقد، تحول مع الوقت إلى جريمة مكتملة الأركان. قرار تمكين وتهديد تعود فصول القصة إلى ما يقرب من عامين، حين رفض «طارق» نجار مسلح الشاب زوج ابنة «سعيد» الانخراط في أعمال أشقائه الإجرامية الذين اعتادوا ممارستها داخل سوق القرية، وكان الرفض بالنسبة لهم خيانة غير مقبولة، فجاء العقاب قاسيًا؛ طرده من منزل العائلة والاستيلاء على شقته وأثاثه، وتركه بلا مأوى. لم يتردد «سعيد» لحظة في فتح بيته لابنته وزوجها، واحتوائهما رغم ضيق الحال، وبخطوات قانونية أقام دعوى لتمكين الزوج من مسكنه المسلوب، رافضًا منطق القوة، ومتمسكًا بالقانون، ومر عامان كاملان من الصبر حتى صدر قرار التمكين، وبإشراف الشرطة تمكن الزوج أخيرا من دخول شقته في منزل عائلته، وبدا حينها الأمر كأنه بداية جديدة، فرحة مؤجلة طال انتظارها، لكن الفرحة لم تدم أكثر من 24 ساعة. في اليوم التالي، خرج الزوج «طارق» لمساعدة والدي زوجته داخل سوق القرية، المكان الذي يتواجد فيه أشقاؤه لكن الخلافات معهم لم تكن مادية فقط، بل غذتها مشاعر أعمق من الغيرة والحقد، فبينما رُزق الزوج بطفل (ولد)، لم يُرزق شقيقه إلا بالبنات، ما أشعل حقدًا دفينًا في النفوس؛ إذ روت أسرة «سعيد» أن هناك واقعة قديمة حاول فيها أحد الأشقاء إيذاء ابنتهم عمدًا لإجهاضها، في حلقة جديدة من العنف الأسري الذي ظل بلا محاسبة، ضمن سلسلة من التجاوزات بحق زوجها وحياتهما. داخل سوق «شيبه» وسط مركز الزقازيق، وأمام الباعة والمتسوقين، تحولت الكلمات إلى تهديدات، ثم إلى أسلحة بيضاء أزاغت لمعتها الأبصار، حيث تربص المتهمون بشقيقهم وبأسرة زوجته وانهالوا عليهم ضربا، حينها حاول «سعيد» الرجل المُسن، أن يدافع عن زوج ابنته، فكان نصيبه الأعنف. سقط الرجلان أرضا غارقين في دمائهما، بينما ارتفعت صيحات تهديد لكل من حاول الاقتراب أو التدخل، لكن الصدمة الأكبر لم تكن في الاعتداء نفسه، بل في المشهد الذي تلاه؛ فوسط ذهول الأهالي علت أصوات الزغاريد والتهليل، وكأن ما حدث انتصارًا لا جريمة. وفق شهود عيان، صرخ والد المتهمين بصوتٍ عالي: «وزعوا الشربات»، في مشهد وصفه سكان القرية بأنه «احتفال فوق جثة إنسان بسيط لا حول له ولا قوة»، لحظة سقطت فيها كل القيم وانكشفت قسوة الاعتياد على العنف. نُقل «سعيد» إلى المستشفى في حالة حرجة، جسده المثقل بالجراح قاوم أيامًا، بينما أسرته تترقب بين أروقة المشفى وتتشبث بأي أمل، فيما كانت جراح زوج ابنته «طارق» على قدر احتماله ليتعافى سريعا، لكن قلب «الخباز» ظل يقاوم حتى خارت قدرته على التشبث بالحياة وفارق الدنيا وما عليها، لكن قبيل وفاته، فاجأ الجميع بوصية إنسانية أوصى خلالها أسرته بالعفو عن زوج ابنته، مؤكدًا أنه لا ذنب له فيما ارتكبه أشقاؤه، في كلمات خرجت من رجل أنهكه الظلم، لكنها عكست طيبة قلبه حتى النهاية. زوجة «سعيد» لم تخفِ مرارتها بعدما فقدت شريك عمرها، إذ أكدت أن زوجها فقد حياته ثمنا لنسب لا يليق بهم، رغم تأكيدها أن زوج ابنتها بمنزلة عزيزة في قلبها كما لو كان ابنًا من أبنائها، لكنها لم تستطع تجاوز مرارة فقدان رفيق حياتها، في كلماتٍ تختصر وجع امرأة رأت بيتها يتهدم بسبب بطش لا علاقة له بالأخلاق أو الدين. لم تكن الأسرة وحدها من طالبت بالقصاص، أصوات أهالي القرية ارتفعت مطالبة بمحاسبة هؤلاء؛ فالمتهمون -بحسب الأهالي- لهم سوابق تعدٍ على الباعة والمواطنين البسطاء، لكنها كانت تنتهي دائما بالتصالح، ما شجعهم على التمادي حتى وصل الإجرام إلى محاولة قتل شقيقهم وسفك دماء حماه. بلاغ وتفاصيل البداية كانت بتلقي الأجهزة الأمنية في مديرية أمن الشرقية، إخطارًا يفيد بورود بلاغ بتعدي 4 أشخاص على بائعة خضراوات وزوجها وزوج ابنتها، في سوق قرية سيبه التابعة لنطاق ودائرة مركز شرطة الزقازيق، ما أسفر عن إصابة زوجها المدعو «سعيد عبدالرازق» 52 عاما، خباز، وزوج ابنتهما «طارق جمال محمد» 35 عاما، نجار مسلح، وتم نقل المصابين إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الطبية والعلاج اللازم، قبل أن يفارق زوج السيدة الحياة بعد نحو ثلاثة أسابيع متأثرًا بإصاباته. تحريات المباحث الجنائية في القضية المحرر بشأنها المحضر رقم 43153 جنح مركز شرطة الزقازيق لسنة 2025، بينت أن مرتكبي الواقعة أربعة أشخاص (رجلان وامرأتان) وأنهم أي الأربعة أشقاء المجني عليه الثاني (زوج ابنة المجني عليه الأول -القتيل)، وذلك جراء خلافات سابقة واعتيادهم ترهيب رواد السوق، وأن شقيقهم كان قد ترك منزل أهليته جراء تلك الخلافات، لكنهم تربصوا به وأرادوا الخلاص منه، وحين تدخل حماه كان نصيبه القتل على أيديهم بأسلحة بيضاء أمام أعين الناس في سوق القرية. جرى ضبط المتهمين، وهم كل من: «محمد» وشقيقه «تامر» وشهرته «أبو زعبل»، وشقيقتيهما «شيرين» و«سعاد»، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبس المتهمين على ذمة التحقيقات. اقرأ أيضا: يدفع حياته ثمنا لضوء الدراجة البخارية بالشرقية