فى عالمٍ تتغير فيه موازين القوى بسرعة مذهلة، عادت نغمة النووى إلى الواجهة من جديد بعد عقود من الصمت فى الميدان التجريبى النووي، بدأت تتردد فى الأفق العالمى إشارات غامضة ومتضاربة بين الولاياتالمتحدةالأمريكيةوروسيا حول احتمال استئناف التجارب النووية، الأمر الذى أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة ومخاطر سباق التسلح هذه الإشارات لم تأتِ من فراغ، بل تعكس توترًا متزايدًا بين القوتين العظميين فى ظل تراجع الثقة المتبادلة وانهيار أجزاء مهمة من منظومة الحد من التسلح فهل نحن أمام عودة فعلية إلى زمن التفجيرات النووية، أم أنها مجرد لعبة سياسية لإعادة رسم ملامح الردع الاستراتيجي؟ منذ انتهاء الحرب الباردة، التزمت الدول النووية الكبرى، وعلى رأسها الولاياتالمتحدةالأمريكيةوروسيا، بوقف التجارب النووية التفجيرية، رغم أن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل حتى اليوم. اقرأ أيضًا | الخبير الأمني الأمريكي مارك توث: الدعم السريع يمارس إبادة جماعية واشنطن لم تصادق رسميًا على المعاهدة رغم توقيعها، فيما كانت موسكو قد صدّقت عليها قبل أن تعلن عام 2023 إلغاء التصديق ردًّا على ما وصفته ب«ازدواجية المعايير الأمريكية». هذا الإلغاء شكّل نقطة تحول رمزية أثارت الشكوك حول نوايا روسيا الفعلية واستعدادها لاستئناف التجارب إذا استشعرت تحركًا أمريكيًا مماثلًا. ومنذ ذلك الحين، توالت التصريحات الغامضة من الجانبين، فتارة تتحدث واشنطن عن تطوير منشآت تجريبية دون نية للتفجير، وتارة ترد موسكو بأنها ستفعل المثل إذا تجاوزت الولاياتالمتحدة الخط الأحمر. الولاياتالمتحدة من جانبها ترسل إشارات معقدة ومتعددة الأوجه. فبينما تعلن تمسكها بوقف التجارب النووية، تعمل فى الوقت نفسه على تحديث منشآتها فى صحراء نيفادا لإجراء ما يُعرف ب«التجارب دون حرجة»، وهى تجارب لا تصل إلى مرحلة التفجير النووى الكامل لكنها تسمح بدراسة أداء المواد الانشطارية فى ظروف قريبة من التفجير. هذه التجارب، وإن كانت لا تُعدّ خرقًا مباشرًا لمعاهدة الحظر الشامل، فإنها تُثير الشكوك فى نوايا واشنطن المستقبلية. بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين تحدثوا عن ضرورة التأكد من «جاهزية» الأسلحة القديمة عبر تجارب محدودة، فيما يرى محللون أن هذه اللغة تخفى رغبة فى إرسال رسالة ردع واضحة لكل من روسياوالصين بأن الولاياتالمتحدة لا تزال قادرة على استئناف التجارب إذا لزم الأمر. على الجانب الآخر، اتخذت موسكو موقفًا يجمع بين التحذير والتحدي فقد صرح عدد من المسؤولين الروس بأن روسيا لن تكون البادئة فى خرق الحظر، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدى إذا أقدمت واشنطن على أى خطوة تُعتبر استفزازًا نوويًا. وفى أكتوبر 2023، وقّع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين مرسومًا يلغى تصديق بلاده على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، مؤكدًا أن بلاده «يجب أن تكون مستعدة لأى احتمال» هذا القرار جاء فى سياق تصعيد الخطاب الروسى ضد الغرب منذ اندلاع الحرب فى أوكرانيا، حيث أصبح النووى أداة ضغط سياسية بقدر ما هو سلاح عسكري فموسكو تدرك أن التلويح بالتجارب النووية يعيدها إلى طاولة المفاوضات الدولية كلاعب لا يمكن تجاهله. الإشارات المتناقضة بين واشنطنوموسكو ليست مجرد ارتباك فى التصريحات، بل تعبير عن استراتيجيتين مختلفتين فى إدارة الردع. فالولاياتالمتحدة تعتمد سياسة الغموض المدروس، إذ تريد الحفاظ على هيبتها النووية دون استفزاز مباشر، بينما تحاول روسيا استغلال هذا الغموض لتأكيد قوتها واستعادة زمام المبادرة فى مواجهة الضغوط الغربية. هذا التناقض فى الخطاب قد يكون مقصودًا من الطرفين، إذ يمنحهما مساحة واسعة للمناورة والتفاوض دون التورط فى قرارات نهائية قد تكلّفهما سياسيًا واقتصاديًا. ومع ذلك، فإن استمرار هذا التلاعب بالتصريحات يُضعف مصداقية النظام الدولى للحد من التسلح. فالعالم يشهد منذ سنوات تآكلًا متسارعًا للاتفاقيات التى ضمنت الاستقرار النووى خلال العقود الماضية. فقد انهارت معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وتكاد معاهدة «نيو ستارت» الخاصة بتقليص الرؤوس النووية الاستراتيجية تنتهى دون أفق واضح للتمديد. فى ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن استئناف التجارب النووية، حتى لو كان مجرد تلميح، عاملاً مقلقًا يعيد سباق التسلح إلى نقطة الصفر. من الناحية الاستراتيجية، يرى الخبراء أن الولاياتالمتحدة تسعى عبر هذه الإشارات إلى الضغط على روسياوالصين معًا، إذ تواجه واشنطن تحديًا مزدوجًا يتمثل فى تحديث ترسانتها النووية مقابل سباق التحديث السريع فى البلدين المنافسين. أما روسيا، فتستخدم الملف النووى كوسيلة لإعادة تثبيت مكانتها كقوة عظمى قادرة على مواجهة الغرب رغم العقوبات الاقتصادية. وبين هذا وذاك، تُدفع بقية الدول إلى حافة القلق، إذ تخشى أن يؤدى انهيار نظام الحظر إلى فتح الباب أمام دول أخرى لإجراء تجاربها الخاصة، ما سيضعف بشكل خطير معاهدة عدم الانتشار النووي. الخطورة لا تكمن فقط فى التجارب ذاتها، بل فى ما تُمثله من رسالة سياسية. فكل تجربة نووية حتى لو كانت محدودة تعنى عمليًا إعلان انتهاء مرحلة الضبط النووى وبداية عهد جديد من سباق الردع. أى تفجير تجريبى من أحد الطرفين سيستدعى ردًّا مماثلًا من الطرف الآخر، وسيفتح الباب أمام سلاسل متتالية من التجارب فى دول أخرى مثل الصين أو كوريا الشمالية، ما قد يغير ميزان القوى العالمى بشكل لا يمكن التنبؤ به. الأسوأ من ذلك أن التصعيد الكلامى الحالى يمكن أن يؤدى إلى «سوء فهم استراتيجي» بين القوتين، حيث قد تُفسّر أى تجربة علمية أو مناورات عسكرية على أنها خطوة عدائية، فتندلع أزمة غير مقصودة. وفى خضم هذه الحسابات المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل نحن على أعتاب سباق نووى جديد فعلاً؟ الواقع يشير إلى أن الطرفين يحاولان تجنّب المواجهة المباشرة فى الوقت الحالي، لكنهما فى الوقت نفسه يهيئان الأرضية النفسية والسياسية لاحتمال العودة إلى الاختبارات إذا انهارت التفاهمات القائمة. بمعنى آخر، كل طرف يريد أن يحمّل الآخر مسؤولية الخطوة الأولى. واشنطن تقول إنها ملتزمة بالمعاهدة ما دام الآخرون ملتزمين، وموسكو تكرر العبارة نفسها، لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تبدأ دائمًا بقرار واضح، بل غالبًا بخطأ فى التقدير أو فى قراءة نوايا الخصم. تداعيات هذه الإشارات المتناقضة لا تقتصر على القوتين العظميين فقط، بل تمتد إلى الأمن الدولى بأسره. فاستئناف التجارب النووية سيقوض جهود نزع السلاح، وسيضعف الثقة فى المعاهدات القائمة، ويهدد بنشوء سباق تسلح جديد تتورط فيه قوى إقليمية صاعدة. كما أن التكاليف الاقتصادية والبيئية لمثل هذه التجارب ستكون هائلة، فى وقت يواجه فيه العالم تحديات مناخية واقتصادية غير مسبوقة. ومن جهة أخرى، فإن عودة الاهتمام بالنووى قد تجرّ اهتمام الأجيال الجديدة نحو سباق القوة بدلاً من سباق الابتكار، وهو ما يشكل انتكاسة فى الفكر الإنسانى الذى سعى لعقود إلى جعل السلاح النووى مجرد أداة ردع لا أداة حرب. وفى نهاية هذا المشهد الملبّد بالضباب، يمكن القول إن الإشارات المتناقضة بين أمريكاوروسيا حول استئناف التجارب النووية تعكس فى جوهرها صراعًا عميقًا على قيادة النظام الدولى الجديد. كل طرف يحاول استخدام الغموض كسلاحٍ دبلوماسى يضمن له التفوق دون دفع ثمن المواجهة لكن التاريخ يثبت أن اللعب بالنار النووية، مهما بدا محسوبًا، يبقى محفوفًا بالمخاطر. العالم اليوم يقف على حافة مفترق طرق: إما أن يختار العودة إلى الحوار والعقلانية، أو أن يترك العنان لسباقٍ جديد لا رابح فيه. وربما يكون السؤال الأهم ليس من سيجرى التجربة أولاً، بل من سيتحمّل مسؤولية إيقاظ شبح الحرب النووية من سباته الطويل.