في الوقت الذي تتجه فيه أنظار عشّاق السينما نحو شاشات العروض وسجادة النجوم الحمراء، هناك فضاء موازٍ أكثر عمقًا وتأثيرًا داخل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي: فضاء الفكر والمعرفة، حيث تُقام ««أيام القاهرة للصناعة»، بإدارة الناقد محمد سيد عبد الرحيم، لتشكّل ركيزة فكرية ومهنية للمهرجان، وعقلَه المفكر الذي يعيد تعريف معنى المهرجان السينمائي الحديث، هذه الأيام ليست مجرد فعاليات مهنية، بل مختبر مفتوح لصناعة الوعي السينمائي العربي، ومنصة حوارية تجمع بين الحلم والمهارة، بين الإبداع الفني ومنطق السوق. منذ انطلاقها عام 2018، نجحت «أيام القاهرة للصناعة» في ترسيخ نفسها كأحد أهم المساحات المهنية في المهرجانات العربية، لتصبح جسرًا يصل بين الموهبة والفرصة، وفي الدورة ال46، تتخذ المبادرة بعدًا أوسع وأكثر طموحًا، إذ تتجاوز حدود التدريب إلى خلق منظومة معرفية متكاملة تربط النظرية بالتطبيق، وتعيد تعريف مهنة السينمائي في ضوء التحولات التقنية الكبرى ، من الذكاء الاصطناعي إلى الاستدامة والسرد التفاعلي (XR). يشهد البرنامج هذا العام تنظيم عشر ورش عمل متخصصة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المهرجان، يغطي مختلف مفاصل العملية السينمائية: كتابة السيناريو،الإخراج،المونتاج الإبداعي، تطوير المسلسلات القصيرة، التمثيل الارتجالي، الترميم الرقمي، برمجة المساحات السينمائية، وإخراج المشاهد ذات العبء العاطفي. اللافت أن المهرجان تلقى أكثر من 900 طلب مشاركة من مصر والعالم العربي، اختير منهم 330 متدربًا من السودان، المغرب، تونس، الأردن، وغيرها، وهو ما يعكس تصاعد الثقة الإقليمية في الدور الذي باتت تلعبه القاهرة كمنصة لتأهيل المواهب وصقل المهارات السينمائية. ويشرف على هذه الورش نخبة من الخبراء الدوليين مثل المخرجة الإيطالية سيمونا نابولي، والمونتير ياسر عزمي، ومدرب التمثيل رمزي لينر، والمنتج الإيطالي جيوفاني روبيانو، والمخرجة سيسليا باجلياراني، والفنانة سلوى محمد علي، والاستشارية النفسية للسيناريو سيهار صلاح، إضافة إلى خبراء الترميم أوسن الصواف ومنير المحمود وإيدر بن سلامة، بهذا التنوع، تتحول الورش إلى مدرسة متحركة للسينما الحديثة، تدمج بين العلم والتجربة، وتفتح أفقًا جديدًا أمام الأجيال الشابة لفهم لغة السينما كفنٍّ وتقنيةٍ وثقافةٍ مجتمعية. اقرأ أيضا| عمرو سعد يكشف تطورات الحالة الصحية لشقيقه أحمد بعد حادث العين السخنة يبقى ملتقى القاهرة للإنتاج المشترك هو القلب النابض لأيام الصناعة، و«المعمل التنفيذي» الذي يحوّل الأفكار إلى مشاريع. على مدار الأعوام الماضية، خرجت من هذا الملتقى أفلامٌ عربية حصدت جوائز في كان وبرلين وفينيسيا، وهو ما جعل القاهرة محطة أساسية في رحلة أي فيلم عربي طموح نحو العالم، هذا العام، تميّزت المشاريع المقدمة بجرأتها الفكرية وتنوّع موضوعاتها، من قضايا الهوية والمرأة والهجرة إلى التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي وأفريقيا، ما يعكس وعيًا جديدًا بدور السينما كأداة للتغيير الاجتماعي وليس مجرد وسيلة للتسلية. تكمن عبقرية «أيام القاهرة للصناعة» في قدرتها على تحقيق التوازن بين الجانب المعرفي النظري والتطبيق العملي، فهي لا تكتفي بندوات نقدية حول تحولات السوق السينمائي، بل تقدم تدريبًا فعليًا في آليات الإنتاج، والتمويل، والتوزيع الرقمي، وحقوق الملكية، بما يربط النظرية بالواقع المهني، بهذا المعنى، يمكن القول إن «أيام الصناعة» تمثل تطورًا في مفهوم المهرجان ذاته: من الاحتفاء بالمنتج الفني إلى بناء المنظومة التي تُنتج هذا الفن وتضمن استدامته. وإذا كانت قاعات المهرجان تحتفي بسحر الصورة، فإن قاعات «أيام القاهرة للصناعة» تحتفي بسحر الفكرة ، ومن هذا اللقاء بين الجمال والمعرفة، تثبت القاهرة من جديد أنها عاصمة السينما العربية ومختبر دائم لتجديد لغتها وفكرها، وأن المهرجان لم يعد مجرد حدث احتفالي، بل مشروع وطني وثقافي لصناعة المستقبل.