شهدت العاصمة الدنماركية كوبنهاجن هذا الأسبوع حراكًا سياسيًا استثنائيًا جعلها محط أنظار القارة الأوروبية والعالم، بعدما استضافت على مدار يومين متتاليين قمتين بارزتين: الأولى غير رسمية لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبى يوم الأربعاء الأول من أكتوبر، والثانية أوسع نطاقًا تحت مظلة المجتمع السياسى الأوروبى يوم الخميس الثانى من أكتوبر بمشاركة أكثر من أربعين رئيس دولة وحكومة. وقد عكست القمتان مزيجًا من القلق والتحدي، وسعتا إلى رسم ملامح طريق لأوروبا فى ظل واقع دولى متغير يتسم باضطراب التوازنات وتراجع المظلة الأمريكية التقليدية. اقرأ أيضًا| صدق أو لا تصدق.. 3 كلاب في مهمة رسمية لا يخوضها سوى البشر القمة الأولى اقتصرت على زعماء الاتحاد الأوروبى السبع والعشرين، وجاءت بطابع استراتيجى واضح. فقد تركز النقاش حول قضايا الأمن والدفاع الأوروبي، مع إدراك متزايد بأن الولاياتالمتحدة فى عهد ترامب لم تعد تمنح أوروبا نفس الضمانات السابقة. لذلك احتل ملف «الجدار الدروني» مكانة بارزة، بوصفه مشروعًا مبتكرًا لاستخدام التكنولوجيا فى تأمين الحدود الشرقية ضد تهديدات الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. كما برزت الهجرة مرة أخرى كعامل خلاف داخلي، إذ دفعت دول الجنوب نحو سياسات أكثر صرامة بينما طالبت دول الشمال بحلول جماعية طويلة المدى. ورغم حالة الإرهاق من حرب أوكرانيا، فإن الملف الأوكرانى كان حاضرًا بقوة. فقد أصرت دول البلطيق وبولندا على ضرورة الاستمرار فى دعم كييف عسكريًا وماليًا، فى حين أبدت هنغاريا وسلوفاكيا تحفظات متزايدة. ومع ذلك، خرجت القمة برسالة جماعية مفادها أن السماح بانتصار موسكو لن يكون خيارًا مطروحًا، لأن ذلك سيقوض أسس الأمن الأوروبى القائم على احترام السيادة ووحدة الأراضي. وفى اليوم التالي، انتقل المشهد إلى أوسع من الاتحاد الأوروبي، حيث جمعت قمة المجتمع السياسى الأوروبى أكثر من أربعين زعيمًا، بينهم دول مرشحة للانضمام مثل أوكرانيا ومولدوفا ودول البلقان، إلى جانب بريطانياوتركيا والنرويج. وقد أتاحت هذه المنصة فرصة لتوسيع النقاش حول مستقبل القارة، بعيدًا عن حدود الاتحاد الضيقة. النقاشات فى هذه القمة دارت حول الدفاع المشترك، وأمن الطاقة، والتنسيق فى مواجهة التهديدات السيبرانية، إضافة إلى العلاقات مع الولاياتالمتحدة فى ظل الشكوك المتزايدة حول التزاماتها تجاه أوروبا. اقرأ أيضًا| أمين عام «التعاون الإسلامي» يدين حرق نسخة من المصحف الشريف في الدنمارك وكان لافتًا أن القمة الأوسع سمحت أيضًا بفتح قنوات جانبية مهمة، أبرزها بين الاتحاد الأوروبى وبريطانيا فى محاولة لإيجاد صيغة جديدة للتعاون بعد البريكس، وكذلك مع تركيا التى لا تزال علاقتها متأرجحة بين الشراكة الاستراتيجية مع الناتو والتوترات المستمرة مع أوروبا فى ملفات الديمقراطية وشرق المتوسط. هذه اللقاءات لم تُعلن تفاصيلها كاملة، لكنها حملت دلالات على محاولات إعادة رسم شبكة التحالفات فى القارة. ما برز من خلال القمتين هو أن أوروبا تحاول أن توازن بين الرغبة فى إظهار الوحدة وبين الانقسامات العميقة داخلها. ففى الوقت الذى أكد فيه الجميع على ضرورة تقوية السيادة الأوروبية وتحمل مسئولية الدفاع عن القارة، ظلت الفوارق بين الشرق والغرب والجنوب والشمال حاضرة بقوة. شرق أوروبا يخشى روسيا إلى أبعد حد، وغربها يحاول المزج بين الصلابة والبراجماتية الاقتصادية، فيما يركز الشمال على التكنولوجيا والأمن السيبراني، ويعانى الجنوب من ضغوط الهجرة والبحر المتوسط. هذه التباينات تجعل من تحويل الشعارات إلى سياسات مشتركة عملية معقدة. ومع ذلك، فإن انعقاد القمتين على هذا النحو المكثف والمتتالى فى كوبنهاجن حمل رسالة مفادها أن أوروبا لم تستسلم للانقسام أو الانكفاء. بل إنها تحاول صياغة إجابة جماعية عن سؤال وجودي: ما معنى أن تكون أوروبا اليوم، هل هى مجرد تكتل اقتصادي، أم قوة دفاعية ضمن الناتو، أم مشروع سياسى جامع قادر على اتخاذ قرارات مستقلة؟ الإجابة لم تحسم بعد، لكن القمتين وضعتا هذه الأسئلة فى صدارة النقاش الأوروبي. لقد مثّل البيان الختامى للقمتين فى كوبنهاجن كما جرى أو يُنتظر أن يُعلن محاولة لتأسيس عهد أمنى جديد لأوروبا رسالته كانت: لا مزيد من الانتظار، لا مزيد من الاعتماد الأعمى، بل تعبئة استراتيجية شاملة تجمع الدفاع، الاقتصاد، التكنولوجيا والتنسيق السياسي. اقرأ أيضًا| السيسى: لن ندخر جهداً لتقديم التسهيلات للشركات الدنماركية فى مصر لكنه يبقى على مفترق التنفيذ: إذا اقترن بالخطوات العملية والتمويل المشترك والحوكمة الفاعلة، فقد يُعد بيانًا تاريخيًا. أما إن بقى حبره على الورق، فسيكون مجرد صفحة ضمن سجّل الطموحات الأوروبية التى تلاشت فى معترك الواقع المعقد البيانات الختامية حملت بالطبع عبارات معتادة عن التضامن والوحدة، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن مستقبل أوروبا يتوقف على ما إذا كانت هذه الكلمات ستتحول إلى آليات عمل فعلية وخطط تمويل ودفاع مشتركة. فإذا اكتفت القمم بالتصريحات الرمزية، فإن خطر التآكل الداخلى سيبقى قائمًا. أما إذا شكلت نقطة انطلاق لإعادة ابتكار المشروع الأوروبى فى ظل عالم متغير، فقد تُسجل قمم كوبنهاجن بداية منعطف تاريخى نحو أوروبا أقوى حتى وإن كان الطريق مليئًا بالتحديات.