فى سنة أولى كلية تعرفت على الشاعر محمود مغربى، كان يحضر إلى الجامعة بقنا فى الأمسيات والندوات، لم تكن سمرته ما يميزة، فأغلب «الصعايدة» سمر، ولكن شعره الأبيض القطنى الذى يتركه دون حلاقة أو تصفيف. كان الشعراء الذين يحضرون معه متجهمين، وكان محمود مبتسمًا.. يلقون قصائدهم بصوت مرتفع يثقب الأذن، يطيلون حروف المد، ويتشددون فى إظهار مخارج الحروف، وحركات التشكيل، ويرفعون أذرعهم إلى السماء وكأنهم يقودون معركة، ومحمود يهمس فى أذنك، لا يضغط على الحروف ولا يحمل الكلمة أكثر مما تحتمل، وإذا تحركت يده فكأنها تمسك بفرشاة ويرسم لوحة.. كانوا يختارون من يتحدثون إليه من الدكاترة، والطلبة المؤثرين، ومحمود حبيب الكل. لم يكن محمود يهتم فى شعره بالقضايا الكبرى، ولكنه يتغنى بفتاة أحبها، أو تعرف عليها، أو يحلم بلقائها، يصوغ قصائده بقلب مراهق، فوضوى، يتجنب البوصلة، وتستقطبه غواية المتاهات، وحقائب السفر. بعد أشهر من تعارفنا، كتبت - ما ظننته قصة - وطلبت من زميل أن يعرضها عليه، دون أن يخبره أنى صاحبها، وكان تعليق محمود مغربى أنها «ليست قصة، ولكنها مجرد (جواب) غرامى، ومع ذلك فكاتبها يحمل موهبة، وإذا أراد نصيحتى فعليه أن يقرأ كثيراً». ثلاث سنوات ونصف، لم أتوقف فيها عن القراءة، بمعدل 5 ساعات يوميًا، حتى أنتجت قصة أخرى، قدمتها إليه وحصلت منه على اعتراف بأننى «كاتب قصة». عشر سنوات بالتمام والكمال مضت على رحيل محمود مغربى لم أتوقف فيها يومًا عن الحنين إليه.