فى حياته وبعد موته بقى صنع الله إبراهيم مثار جدل بين أطراف وأطياف متعددة. ففى كل زمان يولد مَن يرفض أن يكون مجرد رقم فى القطيع، فيختار أن يمشى عكس التيار، لا حبًا فى المخالفة ولا رغبة فى الضجيج، بل دفاعًا عن قناعة داخلية لا يملك أن يتنازل عنها. من هؤلاء صنع الله إبراهيم، الذى صدم الأوساط الثقافية حين رفض جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائى العربى عام 2003، رافضًا أن يضع اسمه فى قائمة المكرّمين من سلطة لا يؤمن بشرعيتها. اتهمه وزير الثقافة وقتذاك بأنه أساء التصرف، وقال: لكننا لن نلفظه وسنسعى إلى تقويم فكره وتوعيته!! تصوروا، الوزير سيقوم فكر صنع الله ويجعله واعيا، تصوروا هذا!! كتبت زميلتنا الأديبة النابهة منصورة عز الدين وقتها تسخر من كلام الوزير تحت عنوان: «الدليل الذكى لتقويم الروائى الطائش، إعادة تأهيل صنع الله إبراهيم». تقول الكاتبة أن صنع الله اتصل بها ضاحكا واقترح عليها عنوانا آخر: «المرشد الأمين فى تدجين المثقفين» أو «فوائد دخول الحظيرة». تبارت وسائل الإعلام الرسمية فى مهاجمته، واتهمته بالتمرد والعناد، لكنه لم يتراجع، بل بقى واقفًا على أرضه، ثابتًا على موقفه، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل التمرد خطيئة تُحاسب صاحبها؟ أم فضيلة ترفع مكانته فى سجل الشرف؟ الذين يرفضون احترام هذه المواقف، يريدون الجميع مطيعًا. يريدون المثقف صدى للسلطة، لا صوتًا للحرية. لكن: ما شأن الناس إن اختار الأديب أن يكون زاهدًا فى الجوائز، أو متمردًا على القوالب الجاهزة؟ أليس من حقه أن يختلف؟ أليس من واجبنا أن نحترم اختلافه؟ إن التمرد فى جوهره دفاع عن الذات، عن الحرية، عن الكرامة. وهو فى لحظة صدقٍ يفضح هشاشة المعايير التى يقيس بها المجتمع قيمة الفرد. فالمثقف ليس علبة تُفتح على مقاس السلطة، بل ضمير يوقظ . إن تمرد صنع الله كان فضيلة. فضيلة الصدق مع النفس، والانتصار للموقف، واحترام القيم على حساب المكاسب. فالتمرد ليس دائمًا خيانة، بل قد يكون أرقى أشكال الوفاء: الوفاء للحقيقة.