ولا عجب أن تجد نوعيات من البشر الاستغلال مقصدها، والكسب الحرام هدفها، ولو على جثث وأقوات الآخرين. ضربت كفاً بكف وأنا استمع إلى واقعتين لا استغربهما فى ذلك الزمان المقلوب، الذى يمكننى أن أسوق عليه المثل الدارج «اللى اختشوا ماتوا»، أو المثل الآخر «الإنصاص قامت والقوالب نامت». الواقعتان ببساطة أولاهما فى احدى القرى السياحية عندما فوجئ جارى، بانسداد بالوعة فيلته، دون سابق إنذار، ولما طلب استدعاء الفنى المسئول عن الصيانة بالقرية، وجده مريضاً، فلجأ إلى مدير القرية الذى رشح أحد العمال من قرية مجاورة، وحضر الرجل، الذى يشعرك بتحركاته، أنك أمام «خبير» فى شئون الصرف الصحى، وبدأ عمله فى الإصلاح «لتسليك» البالوعة، وبعد نصف ساعة، كان قد انتهى بدون أى مجهود إلا مد سلك قام بالعمل، ولما سأله جارى عن أجره، طلب ما لا يصدقه عقل، ستة آلاف جنيه، وسط استغراب ودهشة وذهول من أهل البيت، وبعد مناقشات، تنازل وقبل ألف جنيه على مضض، وهو يردد «أنا أجرتى عالية، سعرى غالى، وأهل المنطقة عارفين مين أنا»!!!. أما الحكاية الثانية الأغرب، رواها لى صديق آخر، توفى شقيقه - رحمه الله - فجأة، رغم أنه لم يتعد ال44 عاماً، ووسط حزنه أكمل إجراءات الجنازة، ذهب والأسرة بالجثمان للمقابر للدفن، وما أن فرغ من ذلك، فاجأه التربى بطلب 4 آلاف جنيه أجرة على فتح المدفن وتسجية الجثمان به، مع أنه وأشقاءه والأقارب هم من قاموا بكل الإجراءات وسط الدهشة من طلب وتصرف التربى، وكأنه هو صاحب المدفن المدفون به أمه وأبوه وأفراد عائلتة الراحلين، وكادت تحدث مشكلة كبرى، مش فى وقتها، وترك الأمر لخاله الذى من هنا لهناك دفع 1500 جنيه للتربى. موقفان وسلوكان صارا غير غريبين على المجتمع الجشع الذى أصبحنا نعيش فيه، أن تجد نوعيات من البشر الاستغلال مقصدها، والكسب الحرام هدفها، ولو على جثث وأقوات الآخرين، إنسان طمعان فى إنسان آخر فيما يشبه السرقة أو يقاربها، بنظام إخطف وأجرى، و«اللى تاخده منه أحسن من عينه»، بلا حساب ولا رقيب ولا أخلاق، والتى يبدو أنها انعدمت مع تلك السلوكيات النشاز، عامل بلا ضمير، ولا يجد من يوقفه، ويحصل بالبلطجة وسيف الحياء مع الأسف على ما يطلب ويريد، خاصة لو بيتعامل مع ناس لا تعرف ولا تجيد التصرف مع أمثاله، أو مع سيدة لا تجد إلا أن تقدم له ما يريد خوفاً من أى تصرف غبى، أو اعتداء قد يأتى منه. كذلك التربى، وللأسف هذا يحدث فى مدافن المدن فقط، فلا يمكن أن تشاهد تلك المهازل فى قرية، لأن ذلك من الأشياء التى تضيع فيها الرقاب، أن يطلب التربى أجرة على الدفن تصل فى بعض المناطق فى مدافن القاهرة للآلاف، وحدث هذا أمامى فى عدة دفنات، يستغل التربى الموقف ليفرض شروطه، ويحصل على ما يريد، مع أن المحافظة لديها بروتوكول للدفن، وأسعار محددة لذلك معلنة فى إدارة الجبانات بالمحافظة. الأمر يحتاج منا إلى ألا نقبل تلك السلوكيات الغلط، التى مع الأسف ندفع ثمنها من جيوبنا لتساهلنا، ومع هذا التساهل يزداد المستغل جشعاً وبلطجة، وقد لا يمكن السيطرة عليه، وتلك الصورة صارت هى التى تحتل المشاهد الرئيسية فى كل حياتنا. صحيح الفنى الشاطر الصنايعى يجب أن يتميز عن الفهلوى المدعى، الذى قد يفسد بدلاً من الإصلاح، وما أكثرهم مع الأسف فى حياتنا، فى ظل اختفاء الصنايعى الأسطى المعلم، الذى كان يخرج من تحت يده اسطوات كانت تفخر بهم مصر، أو المدارس التى تهيئ الفنيين المهرة الذين يمكن أن نجدهم أو نلجأ إليهم عند الحاجة،ولكن بلا استغلال.