عادل ضرغام فى حياة كل واحد منا أحداث وذكريات لا تنسى، تظل موجودة نابضة بداخلنا لها أثرها فى حركتنا طوال حياتنا . فى حكاية من حكاياته فى كتابه (رحلة إلى الحجاز) يشير المازنى إلى رفيق معه فى الرحلة يقوم بكتابة يومياته، وقد اختصه بهذا السرّ، وقد أخبره أن مذكراته صارت ضخمة، ففى اليوم الأول كتب تسع صفحات، وفى الثانى سبعًا، وفى الثالث ستًا. فاندهش المازني، وسأله: ماذا وجدت فى عرض البحر يستحق كل هذا التسجيل؟ فأجابه الرفيق بأنه سجل كل شيء، خطوط الطول والعرض، ووجوه القمر، وأدوار الطاولة، ومن الغالب والمغلوب. وقد تمادى وسأل المازنى عن ثمنها إذا طبعها بعد أن اكتملت، فأجابه بحس السخرية المعروف عنه: إذا اعتبرنا عدد الصفحات ووزنها فهى تساوى الآن مائة أو مائتين. المازنى فى لحظة مبكرة يوجّهنا بشكل خفى مضمر إلى أن الفن فى الأساس عملية انتقائية، لا يقوم بالرصد الشامل لكل شيء، فالفن روح خفيفة يمكن التقاطها من جزئيات بسيطة، فتصنع فى صياغتها الحالة الخاصة المشبعة بالفن. فهو ، لطبيعته الخاصة المتعالية الخفيفة- لا يؤسس بالاستقصاء، وإنما بالانتقاء، والوصول إلى اللقطة الكاشفة بدلا من تجميع كل اللقطات. وينسحب الأمر ذاته على مقاربة الناقد، فإذا كان المبدع أو الكاتب فى تأسيسه لنصوصه انتقائيا، فالناقد- أيضا- يؤسس مقاربته من خلال انتقائه الخاص، وتركيزه على العناصر الدالة الكاشفة التى تقترب من روح الفن، دون أن تخنقه بالرصد أو التراكم، فعلى الناقد أن يصنع مساحة شفافة بينه وبين النص، لا تكشف بقدر ما تخفي. إن إشارات المازنى المتوارية فى مشروعه ومنجزه النثري، بحاجة إلى استعادة واستحضار، لأنها تكشف عن معاناة الفنان فى الارتباط بالفن والحياة، وهى إشارات إذا تمّ التنبّه إليها، سوف تجعلنا -وهذه وجهة نظري- نعيد النظر فى أشكال التراتب والترتيب بينه وبين مثقفى عصره، فمنهم من يقدم لك معلومة فى أى مجال، ومنهم -والمازنى واحد من هؤلاء- من يخلق بالفن إشكالية وجودية متوارية خافتة فى الحكاية من خلال التنبه إلى مشروعية إدخالها فى سياق جديد مغاير. فالمازنى فى منجزه النثرى -سواء فى مؤلفاته أو ترجماته- يعد واحدا من الكتّاب الذين نقلوا الكتابة النثرية نقلة كبيرة، فهو صاحب مدرسة فى تطويرها، من عبارات وجمل مثقلة، إلى عبارات تقوم بوظيفة بنائية لا تخلو من جمال. شكل جديد للولاية وأنا فى طريقى إلى عزاء الدكتور الناقد محمد السيد إسماعيل فى قريته، حاولت أن أقاوم هطول الذكرى الممتد إلى سنوات موغلة فى القدم، ولكنها بالرغم من تشغيل سماعات الأذن ظلت حية تقاوم الرحيل أو الذوبان أو التشويش. منها وقفاتنا أمام كلية دار العلوم، وأمام مكاتب الأساتذة، وفى اجتماعات جماعة الشعر بالكلية، فقد كان دائم الحضور إلينا بعد تخرجه، وأمام الكافيتريا، وفى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى بداية التسعينيات، وهو يصغى باهتمام إلى نصوصنا الشعرية التى كنا ما زلنا نؤمن بقيمتها الشعرية وجدواها حتى ذلك الوقت. حياة محمد السيد إسماعيل تمثل شكلا لم نعهده من الولاية، ولم نشعر بقيمة وجوده إلا بعد رحيله، ففى سيرته وحركته ما يشير ويثبت هذا النمط الخاص منها، فمنذ عام أو عامين أدرك محمد -وأدركنا معه- أنه قريب من نهايته، لكنه بالرغم من ذلك لم يتوقف عن أداء دوره الثقافى العام، أو أداء دوره الإنسانى مع الأصدقاء والزملاء، بل جاءت وعكته الأخيرة أثناء قيامه بدوره فى ندوة بدار صفصافة. وولاية محمد السيد إسماعيل ولاية سلوك ومعاملة وخفض جناح للجميع، فعلى طول معرفتى به لم يرفض طلبا لواحد من الكتّاب، أو لواحدة من الكاتبات فى مناقشة الأعمال الإبداعية، بالرغم من أن الكثير من هذه الأعمال لا يرقى إلى مستوى الفن، وكان بعضنا يمارس ضده العنف والتبكيت والتنكيت، لكنه يقابل كل ذلك ببسمة هادئة، مشيرا إلى أن جبر الخاطر جزء من أسباب شيوع المحبة والتعاطف الإنساني. أما السمة الثانية التى تجذره داخل إطار خاص للولاية فهى فكرة التسليم، وكأنه فى حياته يواجه كونا أكبر منه ومن قدراته، ففى واحدة من الحكايات التى ظلت عالقة بذاكرتي، وكنت أسميها أزمة تسجيل الماجستير، ففى عام 1992 قابلته أمام مكتب الأستاذ الدكتور صلاح الدين الهادى رئيس قسم الدراسات الأدبية ننتظر انتهاء اجتماع مجلس القسم، فقد قدمت خطة رسالة الماجستير (توظيف اللون فى شعر التفعيلة لدى شعراء الستينات فى مصر)، وتقدم برسالته للدكتوراه (الحداثة الشعرية فى مصر)، وبعد انتهاء الاجتماع أبلغنا المشرفان عبدالحميد شيحة وأحمد هيكل أن التسجيل قد تأجل لمدة شهرين، حتى يعقد سيمنار علمى للخطتين، ولم يكن هذا النظام معمولا به حتى ذلك الوقت.. العجيب أنه كان -فى تباين مع ثورتى وحزني- هادئا لا تظهر على وجهه أية علامة من علامات الغضب أو الحزن وظل تسليمه ورضاه سمتين أساسيتين من سمات شخصيته التى لا تعرف سوى المحبة، وسوى التسليم المبنى على قناعة. أما اللقطة اللافتة التى لا تنسى، فهى لقطة كاشفة عن عمق الفساد الذى كان موجودا فى الجامعات، فقد تقدم محمد فى منتصف التسعينيات للعمل بدرجة مدرس فى إحدى الكليات، وتقدم معه زميلاه، وليس هناك مساحة للمقارنة بين عمله وعمليهما العلميين. وفى النهاية لم يتم اختياره، بعد أن شغل هذان الزميلان بوسائل المحاباة المعهودة المكانين الشاغرين. والعجيب أننى كنت أتحدث معه فى هذا الموضوع دائما، فلم أسمع منه قدحا أو ذما فى زميليه أو فى أعضاء اللجنة الذين يقومون بالفحص والاختيار، بل كنت أراه دائما راضيا صافى البال مشرق الوجه. محمد السيد إسماعيل أحد متصوفة هذا الزمان ومن الأولياء الذين كنا نسعد بقربهم، ونتعلم منهم كيف تكون الحياة درسا كبيرا فى القناعة والرضا والتسليم، وحب البشر بقلب لا يحمل إلا المحبة. ذاكرة مسفوحة فى حياة كل واحد منا أحداث وذكريات لا تنسى، تظل موجودة نابضة بداخلنا لها أثرها فى حركتنا طوال حياتنا، لأننا نستحضرها ونعيد بناءها ومعاينتها فى كل مرة نذهب إليها بعقلنا وتفكيرنا. وهناك حدثان لا أستطيع نسيانهما ما حييت، وكلاهما له علاقة بالامتحان والعقاب. فى الحدث الأول كان لدينا مدرس رياضيات اسمه عبدالمنعم، شرس الطبع، كنا نهابه من بعيد، ومن عادته عقب كل امتحان أن يضربنا بالعصا على باطن القدمين بعد خلع الجورب، حتى يصل بالعدد إلى الدرجة النهائية، وحين جاء دورى سألنى عن درجتى فأجبته بصوت خفيض (17٫5) من عشرين، ولا أعرف كيف سمعها (7٫5)، وكان عقابا قاسيا زال أثره بعد أن رأيت المحبة والألم بعينيه حين عرف الحقيقة. أما الحادثة الأخرى فكانت فى امتحان شهرى للغة الانجليزية، وأتذكره امتحانا سهلا بسيطا، وأثناء الإجابة طلب منى أحد التلاميذ من جيراني، بعد أن خرج الأستاذ محمود حمودة لبرهة من الوقت، أن أجيب له عن الأسئلة، لأنه لا يجيد قراءة الأسئلة، ففعلت، وتركت ورقتي، وحين عدت إليها نسيت جزءا من الإجابة فى ورقتي، فحصلت على تسعة ونصف من عشرة. وحين عدت سألنى أبى عن ورقة الامتحان، فقلت له -خوفا من أن يعرف أنى لم أحصل على الدرجة النهائية، ونقصت نصف درجة- إن الأستاذ لم يحضر، فاتهمنى أنى لم أذهب إلى المدرسة بصوت عال، فوجدت زميلى وجاري، يأتى بورقته وأعطاها لأبي، وأخبره أنى حصلت على تسعة ونصف من عشرة، وحصل هو على الدرجة كاملة، وتعرضت لعقاب قاس بغير حق، لكن ذلك الموقف أو تلك الحادثة كانت ذات تأثير بعيد فى سلوكي .