وزيرة الهجرة تبحث مع الوطنية للانتخابات آلية تصويت المصريين بالخارج    "القوى العاملة" بالقليوبية تبدأ تلقي طلبات شغل 440 فرصة عمل.. تعرف على الشروط وموعد التقديم    وزير الإسكان: تنفيذ مشروع سوق السمك المتطور بالإسماعيلية    أسعار الأسماك في سوق العبور الاثنين 6 يوليو    الصحة الكويتية تستقبل موظفيها المقيمين العالقين وأسرهم دون شرط الPCR    أرامكو السعودية ترفع أسعار النفط على آسيا    «السكة الحديد» تعلن تأخيرات القطارات.. من القاهرة إلى المحافظات    رئيس البرلمان:كل الدول خفضت الرواتب    أسعار اللحوم في الأسواق الاثنين 6 يوليو    روسيا تسجل 6611 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا    الكشف عن السبب الحقيقي لقصف قاعدة الوطية الليبية    للمرة الخامسة| رئيس إريتريا ضيف الاتحادية.. تعرف على التفاصيل    لأول مرة منذ 100 عام.. كورونا يغلق الحدود بين نيو ساوث ويلز وفيكتوريا في أستراليا    لأول مرة منذ 8 أشهر.. حمدي فتحي يشارك في المران الجماعي للأهلي    بعد مقاطعته للتدريبات.. تقارير: أزارو مهدد بالحرمان من اللعب لأي نادي سعودي    الزمالك يكشف حقيقة ضم رمضان صبحي    ضبط 16 متهما بالبلطجة والسرقة بالإكراه خلال 48 ساعة    بالتفاصيل| قوات الأمن تلقي القبض على فتاة ال«تيك توك» هدير الهادي    السعودية تعلن الضوابط والمعايير الصحية الخاصة بموسم الحج المقبل    داخل تليفزيون.. إحباط محاولة تهريب كتاب أثري عن "التوراة" بمطار القاهرة    تحرير 107 آلاف مخالفة مرورية متنوعة خلال 3 أيام    انخفاض طفيف بالحرارة اليوم وطقس حار بالقاهرة.. والعظمى 36 درجة    الفخراني ينعى رجاء الجداوي: كانت من أسرتي فقدناها ولا تزال معنا    التنمر.. هل أصبح ظاهرة اجتماعية؟.. أولى ندوات الأعلى للثقافة بعد جائحة كورونا    غادة عادل تفاجئ جمهورها بقصة شعر جذابة    "تراث ماسبيرو وصرف المعاشات ومفاوضات سد النهضة".. أبرز ما في التوك شو    59 إصابة جديدة بفيروس كورونا بالسويس    أكثر من 200 عالم يؤكدون: الهواء يحمل فيروس كورونا    بعد كورونا.. الطاعون الأسود يظهر في الصين بعد أكل "المرموط"    لمواجهة كورونا .. تعقيم وتطهير أسواق وميادين غرب الإسكندرية خلال ساعات الحظر    بعد تعافيهم من كورونا..خروج 15 حالة من مستشفى إسنا للعزل    مستشار الرئيس الإيراني: وفاة شخص كل 10 دقائق بكورونا في البلاد    توتنهام يستضيف إيفرتون في الدوري الإنجليزي الليلة    السيطرة على حريق داخل شقة سكنية فى البدرشين دون إصابات    كوريا الجنوبية: التحقيق مع ألف شخص لانتهاكهم قوانين كورونا    الغذاء والدواء: أمريكا تواجه مشكلة خطيرة من الارتفاع السريع لإصابات كورونا    فنان شهير: أنا معجب جدًا بذكاء وعلم الشيخ عبدالله رشدي    دلال عبدالعزيز تنعى رجاء: سمير غانم يبكي حزنا عليها.. كان مسميها "عزاء الجداوي"    تعرف على حكم الغش فى الامتحان    الزمالك يغري أوباما ب10 ملايين جنيه سنويًا لتمديد عقده    وزير التعليم ينفي أي بيانات خاصة بامتحتنات الثانوية للعام القادم    في حلقة خاصة عن رجاء الجداوي.. دموع عمرو أديب تبكي السوشيال ميديا    هشام نصر يكشف كواليس عودة منافسات كرة اليد    عقوبة الافتخار والبغى    بعد الاشتباه في إصابته ب كورونا.. مطران البلينا يخرج من المستشفى بعد استقرار حالته    رئيس برشلونة: ميسي سينهى مشواره معنا.. و"الفار" ليس على مستوى الليجا    الطبيب المعالج لرجاء الجداوي يكشف كواليس الساعة الأخيرة في حياتها    وكيل حميد أحداد يكشف موقف اللاعب النهائى من اللعب أمام الزمالك.. خاص    غلق وتشميع 2 محل وضبط 21 مخالفة مرورية ورفع إشغالات كافيهات بطنطا    موعد مباراة ريال مدريد المقبلة في الدوري الإسباني    كرم جبر: الفترة المقبلة تشهد تنظيم إصدار تراخيص القنوات الفضائية.. فيديو    هل ثقب الأنف للتزين حرام؟.. الإفتاء توضح الرأي الشرعي    "القومي المرأة" يشكر الأزهر والإفتاء لتناولهما قضية التحرش الجنسي    السودان: استمرار مفاوضات سد النهضة باجتماع بين المراقبين ووفود الدول الثلاث اليوم    "حماية للأمن القومي".. دفاع النواب: اشتراط موافقة القوات المسلحة على ترشيح الضباط للمجالس    "متحدث الري": الوضع الفترة الأخيرة بشأن سد النهضة يظهر وجود تعنت لإثيوبي    تعليم الوادي الجديد تفوز بمسابقة المجلات الإلكترونية لأعياد الطفولة    دعاء في جوف الليل: اللهم يا حفيظ أدخلني كنفك وتولّني بكرمك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وقفة عند إبراهيم عبدالقادر المازنى أحد رواد النهضة العربية .. (قصة حياة) ترى النور من جديد
نشر في الشروق الجديد يوم 27 - 10 - 2009

نُعت إبراهيم عبد القادر المازنى بكل النعوت، فهو الشاعر النابغة الذى آمن بموهبته العقاد، وهو القاص والروائى الذى توقف عن الشعر ليتفرغ للنثر والنقد، لم يوفر روحه الساخرة وقلمه اللاذع الذى طال الكثيرين لكنه وظفه من أجل إعلاء شأن النقد الأدبى والدفاع عن قيم الحداثة.
قد يكون فى كتاب « قصة حياة» الذى يحكى سيرته الذاتية إجابة عن كنه هذه الشخصية الفنية المتميزة، وهو كتاب صدر عام 1961 وأعادت دار الشروق نشره ليكون باكورة نشر أعماله الكاملة فى ذكراه الستين (حيث ولد فى أغسطس 1890 وتوفى فى أغسطس 1949). فصدر جزء أول من أعماله الكاملة يشمل «حصاد الهشيم» و «قبض الريح» و«ثلاثة رجال وامرأة» و«صندوق الدنيا» و«من النافذة»،
ومن المنتظر أن تصدر تباعا باقى الأعمال التى تصل إلى أربعين كتابا بين نقد وإبداع منها «فى الطريق»، و«عود على بدء»، و«رحلة الحجاز»، و«خيوط العنكبوت»، و«ديوان المازنى»، و«الجديد فى الأدب العربى» بالاشتراك مع طه حسين وآخرين، وكتابه الشهير «الديوان فى الأدب والنقد « الذى أصدره مع العقاد فى عام 1921ونال شهرة كبيرة.
كما ترد خطوط من سيرة حياته فنجدها متفرقة فى روايتيه «إبراهيم الكاتب»، وفى «خيوط العنكبوت»، وفى «صندوق الدنيا». أما سيرته الذاتية التى «يتعرى» فيها أمام القارئ، ويصف سنوات الحرمان والفقر ويسخر ويتفكه على نفسه وعلى الآخرين،
فأراد المازنى أن يسميها «قصة حياة» وليس «قصة حياتى» كما لو كان يريد أن يتبرأ مما قد ينسب إليه فيها، أو قد يكون مرجعه التواضع، إذ يريد أن يعتبرها الناس مجرد قصة حياة كغيرها من القصص.
إذ منذ البداية وفى تصدير النص الأدبى يقول المازنى: «هذه ليست قصة حياتى، وإن كان فيها كثير من حوادثها. والأولى أن تعد قصة حياة».
«قصة حياة» هى قصة الطفولة بامتياز، تلك الفترة التى تشكل فيها وعى الطفل ثم صارت بعد انقضاء الزمن محل بحث وتنقيب، يبدأ الكتاب ومنذ المقدمة بمشهد درامى شديد القسوة والواقعية، بعد موت أبيه وهو فى سن الطفولة،
وتبديد أخيه الأكبر ثروة أبيه ليواجه الفقر والحرمان، فتنتزع منه أيام ومعانى الطفولة ليحمل على كاهله عبء الدخول فى زمن النضج وهو بعد صغير. فيستهل النص بالمقطع الآتى: «فتحت عينى أول ما فتحتها فى حداثتى على دنيا تنتزع الكرة من يد الطفل وتقول له: أتظن نفسك طفلا، له أن يلهو، ومن حقه أن يرتع ويلعب؟ لا كرة ولا لعب.
وعليك أن تثب الآن وثبا من هذه الطفولة التى كان ظنك أن ترتع فى ظلها إلى الكهولة دفعة واحدة ! حتى الشباب يجب أن تتخطاه وثبا أيضا.
وأنكفئ إلى أمى أسألها عن الكرة: لماذا حرمتها دون غيرى فلا تقول إنها آسفة ولا أنها ترثى لى، وأن قلبها يعصره الألم من أجلى، بل تضع راحتها الرخصة على كتفى وتقول لى بصوت متزن: اسمع يا بنى إنك لم تعد طفلا، وإنما أنت رجلنا الآن، وسيد البيت ورأس الأسرة وكبيرها! أى نعم. فقد ترك لنا أبوك مالا فوق الكفاية، ولكن المال ذهب. ولم يبق لنا شىء».
منذ ذلك اليوم حاول المازنى أن يشق طريقه معتمدا على ذاته. فتلقى تعليمه الابتدائى، والثانوى بالمدارس الأميرية، وبعد إتمامه لتعليمه الثانوى بدأ المازنى يبحث عن نفسه، وعن المجال الذى تأنس به وتستقر فيه، فقرر الالتحاق بمدرسة الحقوق، الا أنه عدل عن ذلك، لعجزه عن دفع الرسوم المقررة،
فالتحق بكلية الطب ولكنه لم يلبث ان انصرف عنها لأن حسه المرهف لم يقو على مشاهدة أول درس فى التشريح، فاتجه إلى مدرسة المعلمين العليا، وتخرج فيها عام 1904 فى دفعة محمد فريد أبوحديد، ومحمود فهمى النقراشى، ومحمود جلال، فعمل مدرسا للترجمة بالمدرسة السعيدية الثانوية.
ولما قامت الثورة الوطنية عام 1919 ترك العمل بالتدريس ووجه اهتمامه إلى السياسة والصحافة، فعمل بالصحافة، ولم ينصرف عنها حتى آخر حياته، لأنها نقلته من جو المدرسة الضيق، وقيود الوظيفة، إلى مجتمع رحب، وحياة أكثر تحررا، فكتب فى صحف كثيرة منها: «الأخبار» و «البلاغ» و«الدستور».
أسباب كتابة السيرة
أما لماذا شرع فى كتابة سيرته الذاتية أو «قصة حياة» ؟ فيجيب المازنى نفسه فى مقدمة كتابه بأنها الطريق الأمثل لمعرفة الناس، إيمانا منه بأن الناس «أشباه متماثلون وإن تفاوتت بهم الأموال، وليس اختلاف النشأة بمانع أن تكون التجربة من معدن واحد»، فيؤكد ذلك قائلا: «أصبحت أعتقد أنى أستطيع أن أعرف الناس بنفوسهم إذا وسعنى أن أكشف لهم عن عيونهم صورة صافية لا مزورة ولا مموهة من هذا الانسان الذى هو أنا، والذى هو أيضا كل امرئ غيرى، وليس هذا بالمطلب الهين...»،
فغاية المازنى أن ينفع بتجربته الأجيال القادمة مؤمنا أن «من ألأم اللؤم أن تبخل بعلمك على غيرك» ومسطرا بأسلوبه الجزل الحكيم أهمية التشارك فى المعرفة: «ولكن المعرفة ليست مادة يحفظ بها البدن من الوبال،
فهى لا تنقص بالشيوع والاستفاضة، ونصيبك فيها لا يقل إذا بلغ فيها غيرك مبلغك، وفى وسعك أن تهدى منها ولا تخشى عليها النقص، ومن المحقق أنك أحرى أن تكون أسعد إذا صار الناس أعلم وأفطن وأوسع مدارك وألطف حسا».
أما الأسباب الأخرى التى دفعته لكتابة سيرته الذاتية، فنجدها بين سطور الكتاب، وهى إحدى الطرائق أو «الحيّل» التى لجأ إليها المفكرون والكتّاب فى تبرير ذواتهم والدفاع عن أنفسهم ضد الصورة التى ترسم لهم بالحق أو بالباطل بصفتهم شخصيات عامة فيشرعون فى كتابة مسيرة حياتهم حتى وإن تطلب ذلك الكثير من المصارحة والمكاشفة وتعرية الذات، مثلما فعل جان جاك روسو فى «اعترافات طفل العصر» أو جان بول سارتر فى سيرته «الكلمات» حيث كان يرسم صورة شديدة القبح لنفسه لكنها فى الوقت نفسه تستدر عطف القارئ.
أى أن الكاتب يحلل ويبرر ويجمل أحيانا ما صنعه فى حياته، ويشيد بأسلوب غير مباشر بقصته فى «كفاح النفس» إن جاز التعبير مثل تبريره لقسوة طبعه التى يرجعها المازنى إلى تجنى أخيه عليه وعلى إخوته، وأما التمرد الذى أصبح فى طباعه فكان وسيلة لعلاج «مركب النقص» الذى ولده الفقر والحرمان، حيث كان يشعر بالنفور من مخالطة الأثرياء الذين نشأوا فى النعمة واليسر، ويعتبرهم «من المنبوذين، لأنهم متكلفون غير مخلصين لأنفسهم ولآدميتهم، ولأنهم مترفون، متطرون خرعون، لا يعرفون شرف الكد، ولا يدركون مزية الكد...»،
فيحكى لنا المازنى كيف تحول مع تقدمه فى العمر وأزال المرارة والقنوط عن نفسه وصار أكثر رحابة، «فقد أفادتنى المحنة صلابة ودعما وثقة بالنفس وجرأة على الحياة و المغامرة فيها (...) ورضيت عن الدنيا وانشرح صدرى للحياة».
وقد تكون من مبررات كتابة السيرة أيضا هى تجميل الصورة التى عرف بها من خلال معاركه الأدبية والتى لم يتناولها فى كتابه «قصة حياة»، لكنها طبعت الحياة الأدبية فى سنوات العشرينيات من القرن الماضى، وقيل إن المازنى قد قسى كثيرا على أمير الشعراء أحمد شوقى، وأنه اختلف مع صديقه عباس محمود العقاد حول عبدالرحمن شكرى الذى كان من مؤسسى مدرسة الديوان الشعرية مع صاحبيه العقاد والمازنى،
إذ خلف كتاب «الديوان» عام 1921 بجزءيه ثورة فى الساحة الأدبية تناطح الذوق السائد وتهاجم القديم المتمثل فى شعر شوقى وحافظ وتتحرر من الأوزان والقوافى وتدعو أن تكون القصيدة ذات وحدة موضوعية بدلا من وحدة البيت، وقيل إن وقود المعركة كان زميلهما عبدالرحمن شكرى الذى انعزل بعدها فى الاسكندرية.
معارك المازنى الأدبية
ورغم ما بدى على المعارك الأدبية من تطاحن تنأى بها أحيانا عن حقل النقد أدبى إلى حقل الصراعات والانحيازات الشخصية، فإنها كانت جزءا أصيلا من النهضة الأدبية فى تلك الآونة. وكان أبطال هذه المعارك هم طه حسين والعقاد والرافعى وعبدالرحمن شكرى والمازنى وخليل مطران وأحمد زكى أبوشادى، وأنصار هؤلاء ومعارضوهم.
فيقول طه حسين: «والحق أن هذه الخصومة قد فتحت للمعاصرين من الأدباء المصريين أبوابا جديدة فى الفن وآفاقا جديدة فى النقد وعلمتهم أن الشعر لا ينبغى أن يكون تقليدا للقدماء ومحاكاة لهم فى رصانة اللفظ، وجزالة الأسلوب وروعة النظم، مهما تكن مكانة هؤلاء الأدباء ومهما يعظم حظهم من التفوق والنبوغ. فالأدب جذوة يذكيها الوقود وتوشك أن تخمد إذا لم تجد هذا الوقود، فلتذك جذوة الأدب إذا وليسطع لهيبها، ولا بأس بأن نكون نحن الأدباء وقودا لهذه النار».
كما كانت هذه المعارك تساوى دبيب الحياة فى دنيا الأدب بالنسبة للناقد سيد قطب حيث يقول: «وربما كنت أول مغتبط من المغتبطين بهذه المعارك جميعا، مهما كان فيها من خصومات، ومهما كان فيها من ضجيج ذلك أن خصومة الحياة خير عندى من سلام الموت، وأن ضجة العاصفة أفضل من صمت الركود».
وكانت معركة الديوان بعد ثورة 1919 تنذر بزعزعة الذوق الأدبى المتجذر، فتراشق النقاد فيما بينهم، العقاد يتهم الرافعى بسطوه على نقده الذى تناول فيه نشيد شوقى، ويصفه بأنه من «خفافيش الأدب» ويكيل له من السب ما كان جديرا بجرير والفرزدق إذ يقول: «لا هوادة بعد اليوم، السوط فى اليد، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت»، فيرد عليه الرافعى بجرأة أشد متهما إياه بسرقة ما يكتبه وواصفا العقاد بالجلف الحقود المغرور.
كما بدأت المعارك النقدية بين المازنى وعبدالرحمن شكرى، فاتهم شكرى صاحبه بأن قصيدة المازنى «الشاعر المحتضر» مأخوذة من قصيدة «أدونى» للشاعر الإنجليزى «شيللى»، و«قبر الشعر» منقولة عن الشاعر الألمانى «هينى»، وأنهى مقاله مؤثرا واجب الناقد على الصداقة قائلا: «ولا أظن أحدا يجهل مدحى المازنى وإيثارى إياه وإهدائى الجزء الثالث من ديوانى إليه،
ولكن هذا لا يمنع من إظهار ما أظهرت ومعاتبته فى عمله، لأن الشاعر مأخوذ إلى الأبد بكل ما صنع فى ماضيه». وكان المازنى يقسو على صاحبه أحيانا ويستخدمه أداة للبطش بأقرانه من الشعراء أحيانا أخرى، مثلما حدث فى نقده لحافظ حيث قال فى أحد مقالاته النقدية: «فإن حافظا إذا قيس إلى شكرى لكالبركة الآجنة إلى جانب البحر العميق.. شكرى أسمح خاطرا، وأخصب ذهنا، وأوسع خيالا».
وكانت معركة المنبر الحر عام 1934 هى مجموعة من أشهر مقالات سيد قطب النقدية، وكان هذا هو عنوان الباب الذى خصصته مجلة الأسبوع للنقد 1934 وقدم فيه ستة مقالات تحت عنوان «معركة النقد الأدبى ودوافعها الأصيلة».
وكان منها معركة المازنى مع على محمود طه [المهندس]، ومعركة طه حسين مع كل من إبراهيم ناجى وإبراهيم المصرى، ومعركة العقاد مع إبراهيم ناجى، ومعركة إبراهيم المصرى، وإبراهيم ناجى، ومعركة الزيات مع طه حسين، ومعركة محمود أبوالوفا مع جماعة أبوللو.
أما عن المعركة بين المازنى وعلى محمود طه، فيرى سيد قطب أن دوافع هذه المعركة الأدبية هو التنافس الشديد بين العقاد وطه حسين «فالحقيقة الأولى التى كان يجب أن يعرفها المهندس أن المازنى لم يقصده هو أولا بالذات حيث قال عنه: إنه ميئوس منه، وأن فى أسلوبه غموضا، وحين كتب كل هذا النقد الصارم الدقيق، وإنما المقصود هو العقاد وطه حسين فليعلم الناس أنها منافسة فى الآراء أشبه ما تكون بمنافسات السياسة».
المرأة والحب والنسيان فى حياة المازنى
لم يتناول إذن المازنى أى من هذه المعارك التى لم تكن تتسم بشكل عام بالموضوعية فى سيرته الذاتية، كما لم يتطرق للدور الذى لعبه فى مدرسة الديوان والدفاع عن المعاصرة فى مواجهة الجمود والتقليدية.
بل انصب كل همه فى سرد وتحليل أحداث الطفولة والصبا وكيف انعكست على الرجل الذى صاره، ولم يخل الأمر من روح الفكاهة والسخرية التى ميزته فى شعره كما فى نثره، من خلال الحكايا الطريفة والذكريات مع جده وجدته، وبطش والده وقسوته مع شقيقه الأكبر بعد حادثة «المانيكور» التى لا يسعك إلا أن تضحك من القلب وأنت تتابع حكاية هذا الشاب المسكين ورحلته فى صالون حلاقة بحى الأجانب لا يتردد عليه إلا الصفوة،
ووصفه لاضطرابات الشاب وقد سلّم يديه لتلك الجميلة الشقراء التى تقلم وتدهن له أظافره، وحين عاقب الأب الأخ الأكبر وسجنه فى إحدى «المناظر» أو الغرف كما كانت تسمى فى أيام المازنى جازف المازنى الطفل لإنقاذ أخيه ونجح فى الحصول على المفتاح وإطلاق سراح أخيه وكان هذا تأريخا لأول سر نجح المازنى فى كتمانه. كما يستعرض فى فصول كتابه اللحظات الفاصلة فى طفولته مثل مشاهدته لحادث موت ابنة الخادمة إثر حريق نشب بالبيت وكيف تحمل الطفل مشهد ضياع رفيقة اللعب أمام عينيه.
كما يتطرق المازنى إلى علاقة أبيه وأمه وهى جرأة فى وقتها، حيث كان وعى الطفل لا يدرك هذا النوع من الحب الشرقى المحافظ، فيصفه قائلا: «أنى لم أسمع ولم أر قط فى طفولتى شيئا كلمة أو إيماءة أو نظرة تشى بالحب بين أمى وأبى. وكان يخيل إلى أن العلاقة بينهما قوامها الاحترام المتبادل أكثر مما كان قوامها الحب.
وهذا خطأ. ولكنه هو الذى كان يبدو لى فى هذه السن الغضة». وتقديره الشديد للمرأة الذى بدأ بحبه لأمه التى اعتبرها «سيدة الدنيا» وكل من عداها هباء، فيوجه إليه حديثها قائلا فى الكتاب: «مجرد شعورى بوجودك يرفع نفسى، ويعصمنى من كثير، وما هممت بشىء إلا رأيتنى أسأل نفسى هل ترضى عنه أمى لو علمت أو لا ترضى؟ فأقدم أو أحجم تبعا لجواب السؤال، ولو خلت منك دنيا لما بقى شىء يصدنى عن الشر والرذيلة،
ولست أطيق البعد عنك لحظة ولكنى مقتنع أنه لو كان أبى حيا لما أمكن أن أحتمله، ولا طقت أن أعيش معه تحت سقف واحد، ولعل ذاك لأنك وأنت سيدتى تدعيننى أشعر أنى أنا السيد ولكنى أظن أنى أحبك وأجلك، وأنى مدين لك بكل ما جعلنى كما أنا، أطال الله عمرك» ويضيف «لكنه سبحانه لم يشأ أن يفعل».
ولم يكن الحب الذى يضلل بيته بشكل خفى مستتر يليق بمكانة الوالدين راجع فقط إلى روح العصر التى كانت تعتبر الايماءات المحبة نوع من «قلة الحياء» على حد تعبير المازنى، فقد وقع المازنى نفسه فى نفس القيود الاجتماعية والحياء الشرقى الذى يكبل المرء عند التصريح بعواطفه،
وهو الشاعر الذى يتغنى بقصائد الحب، والمحب للمرأة الذى قال عنه العقاد مداعبا حول كونه «دنجوان» (أنت فى مصر دائم التمهيد/ بين حب عفى وحب جديد)، فيتعجب المازنى من نفسه وهو ابن ذلك الزمان: «ومع ذلك أرانى أستحى أن أقول لزوجتى أنى أحبها، وأشعر أنه لا يليق بى أن أقول ذلك، ولى كل هؤلاء البنين، وأحس أن زمن الكلام فى ذلك قد فات وهو لم يفت فى الحقيقة...».
ويروى المازنى أيضا فى الكتاب أول حب فى حياته ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، كانت ابنة الجيران فى السيدة زينب التى أنقذ قطتها من فوق الشجرة، وحين كشف لأمه عن حبه للفتاة، تقول له «اختشى يا ولد عيب»، فيدافع عن حبه وهو الصغير الجرىء مسائلا أمه: «إن أبى لم يكن منك.
ولكنك تحبينه، ومازلت تلبسين السواد حدادا عليه منذ سنوات. (...) صحيح أنى صغير، وأنى لا أفهم، ولكنى أحسٌ يا أمى.. ألا يكفى أن أحس؟ وصدقينى ولا تغضبى أو تستائى حين أقول: إنه أشهى إلى أن أكون جالسا إليها الآن وإن قلبى يرف صبوة إليها».
هذا ما كان من مقام الصبى ابن الثالثة عشرة، حتى إذا شب وصار رجلا ناضجا، اعترضته آفة النسيان، فيروى فى فصل مضحك يروى فيه عن عزلته وزهده فى الحياة فى آخر أيامه (ولم يكن عمره طويل إذ مات فى سن التاسعة والخمسين) ولكنه فى حقيقة الأمر كان يعانى آفة النسيان، فحتى حين يقع فى الحب، تختلط عليه الأسماء والأحداث «وكيف بالله يكون حب من يمسى عاشقا ويصبح ساليا؟».
بسخريته وأسلوبه الرشيق يروى المازنى حين اصطدم يوما فى احدى الحدائق بسيدة شابة، بدت تعرفه جيدا وهو أبدا لا يذكرها، فجلسا على كاولة وراحت تذكره بالسويس، فلا يتذكرن وتسرد إليه كيف تقابلا فى طريق العودة إلى مصر من السويس وكانت سيارتها مع صديقاتها قد تعطلت فأنقذهم بأن ربط سيارتهن، ولم يتقابلا بعدها.
وتؤكد له الفتاة أنه وعدها بالزيارة فى الاسكندرية ولم يفعل، فيدور حوار فريد بينهما يكشف عن خفة ظل كاتبه وروحه المراوغة وروح ال«دونجوان» الذى كان، فيسألها «سأوجه إليك سؤالا قد يبدو لك محرجا أو ثقيلا ولكن عذرى هو هذا النسيان، هل قلت لك إنك جميلة؟»
قالت: «نعم». قلت: إن عينى زرقاوان كالبحر، وعميقتان مثله».
قلت: «هذا صحيح» ففرحت وصاحت: «هل تذكرت؟» قلت: «كلا» إنما أعنى أن عينيك هكذا تماما وأن هذا الوصف هو الحقيقة على كل حال وهل..وهل..؟».
قالت: «نعم».
قلت: «ماذا تعنين بنعم» بعبوس.
قالت: «منتظرة سؤالك».
-فتشهدت وسألتها «هل بستك؟؟ معذرة!».
قالت: «أوه.. هذا.. نعم ثلاث مرات.. مرة فى الطريق وأنا معك فى السيارة ومرة..».
قلت: «كفى.. كفى.. إنى آسف.. ولم يبق إلا أن أسأل هل كانت القبلة حلوة ؟! أظن أنى سأجن..».
فقالت، وهى تضحك «إنك مدهش. ولكن هل صحيح أنك تنسى إلى هذا الحد؟ أم تراك تتكلف لتعابثني؟»
قلت: «لا والله، ما أذكر أنى رأيتك فى حياتى».
هذا مقطع من الأدب الساخر الذى يصعب أن نجد مثله فى هذه الأيام رغم رواج كتب الأدب الساخر اليوم، ويعود المازنى ليؤكد تعد هذا المقطع أنه غير زاهد فى الحياة وغير ميّال للعزلة،
رغم ما عرف عنه من سوداوية وملازمة الموت له فى أعز أحبابه، والديه وزوجته وابنتيه، «وأحسب أن الرغبة فى الحياة تقوى مع ارتفاع السن وقلما يلفت الشاب إلى الحياة وطولها وقصرها، أو يفكر فى أنها فى إلى زوال، لأن ما يحسه من فيض الحيوية لا يجعل له بالا إلى شىء من ذلك».
إذ يكتب فى نهاية سيرته أنه يتمنى أن يكون آخر من فى الدنيا ليشهد مصرعها بعينه، ثم يستدرك قائلا: إنه ربما زعم هذا من باب الشهوة الفنية، مؤكدا قوله فى أحد قصائده: ألا ليتنى فى الأرض آخر أهلها فأشهد هذا النحب يقضيه عالمٌ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.