على مدار العقود الماضية، كان مارك كارني رجل الظل في أعقد الأزمات المالية، حيث لعب دورًا رئيسيًا في استقرار اقتصاديات كبرى، من كندا إلى بريطانيا، ومن أروقة البنوك المركزية إلى قمم المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. لكن هذه المرة، لم يعد كارني مجرد خبير يُستشار عند وقوع الكوارث الاقتصادية، بل أصبح هو نفسه في قلب العاصفة السياسية، متصدرًا المشهد كزعيم للحزب الليبرالي الكندي، وخليفة جاستن ترودو في رئاسة الحكومة الكندية، الذي من المقرر أن يتم تنصيبه رسميا الجمعة مع تشكيل حكومته الجديدة. كارني، صاحب ال59 عامًا، لم يكن مجرد مصرفي عادي، بل كان أول شخص يتولى منصب محافظ بنك مركزي في بلدين مختلفين، حيث قاد بنك كندا خلال أزمة 2008، ثم انتقل ليصبح محافظ بنك إنجلترا، متصديا لتحديات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفقًا لصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية. ومنحته هذه الخلفية سمعة دولية كرجل قادر على التعامل مع الأزمات، ومع اقتراب تنصيبه يبقى السؤال، هل ستترجم مهاراته المالية إلى نجاح سياسي؟ أم أن دهاليز السياسة ستكشف نقاط ضعفه التي لم تظهر في عالم الأرقام والاقتصاد؟ بينما يُعرف كارني بعقليته العالمية واتجاهاته التقدمية، إلا أن ذلك لا يعني أنه محصن من الانتقادات، خصوصًا من خصومه المحافظين الذين يسعون لتقديمه كرمز لنخبة غير متصلة بالواقع اليومي للكنديين. فكيف سيتعامل مع هذه التحديات؟ وهل سينجح في قيادة البلاد وسط رياح التغيير العاتية؟ اقرأ أيضًا: غدًا.. رئيس الوزراء الكندي يكشف عن تشكيل الحكومة الجديدة من هو مارك كارني؟ بعد أقل من شهرين على انخراطه في العمل السياسي، صعد مارك كارني بسرعة ليتولى قيادة الحزب الليبرالي الكندي، ما جعله المرشح الأقوى لخلافة جاستن ترودو في منصب رئيس الوزراء الرابع والعشرين للبلاد، وفي السطور التالية لمحة عن حياته، مستندة إلى مقابلاته، وسيرته الذاتية، وخطاباته، وتغطيات إعلامية واسعة، بالإضافة إلى كتابه الخاص. مارك كارني هو أحد أبرز الشخصيات في عالم البنوك المركزية، حيث تولى قيادة مؤسستين ماليتين من بين الأهم في العالم: بنك كندا وبنك إنجلترا، واشتهر بقدرته على إدارة الأزمات المالية، وترك بصمته على السياسات النقدية التي أثرت على اقتصادات عدة دول. كارني، الذي يتمتع بمسيرة مهنية حافلة في عالم المصارف والسياسات المالية، يُعرف أيضًا بشغفه بقضايا المناخ، وهو ما جعله شخصية محورية في النقاشات الاقتصادية العالمية، ومع أنه يُنظر إليه على أنه تجسيد ل"رجل دافوس" الحقيقي بعقليته العالمية، إلا أن هذه المؤهلات لم تعد تحظى بذات الجاذبية في المشهد السياسي الأمريكي. حيث أصبحت الشعبوية والتوجهات المحلية أكثر تأثيرًا. ومع ذلك، فإن كارني لم يكن يومًا سياسيًا تقليديًا، بل كرس حياته للخدمة العامة بعيدًا عن الأضواء والمناصب. وفي الجانب الشخصي، يُعرف مارك كارني، بحبه لرياضة هوكي الجليد، حيث كان لاعبًا جامعيًا سابقًا، كما أنه من رواد المنصة الملكية في بطولة ويمبلدون. رغم خبرته العميقة في الاقتصاد، بدا كارني مترددا بعض الشيء في دوره السياسي الجديد، حتى إنه يعترف بعدم امتلاكه موهبة فطرية في هذا المجال، وهذا ما ظهر جليًا في الهجمات السياسية التي تعرض لها، خاصة من المحافظين الذين وصفوه ب"المُتستر على ضريبة الكربون". يقدم كارني نفسه كخبير في الأزمات المالية، قادر على مواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب. لكن المحافظين، بقيادة رئيس الوزراء الأسبق ستيفن هاربر، سارعوا إلى التشكيك في قدراته، مشيرين إلى أن وزير المالية هو من اتخذ القرارات الحاسمة خلال الأزمة الاقتصادية التي ضربت كندا عام 2008، وليس كارني. في كتابه الصادر عام 2021 بعنوان "القيمة: بناء عالم أفضل للجميع", قدم مارك كارني نصيحة جوهرية: "تواصل بوضوح، وبانتظام، وبصدق، لا يمكنك تفادي الأزمة، لكن الحقيقة ستظهر دائمًا." النشأة والتعليم وُلِد مارك جوزيف كارني في 16 مارس 1965 في فورت سميث، الأقاليم الشمالية الغربية في كندا، ونشأ في بيئة متواضعة، وتلقى تعليمه في جامعة هارفارد، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد. وواصل كارني دراسته في جامعة أكسفورد، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد. المسيرة المهنية بدأ كارني حياته المهنية في القطاع المصرفي، حيث عمل في مؤسسة جولدمان ساكس، مما أكسبه خبرة واسعة في الأسواق المالية. في عام 2003، التحق بوزارة المالية الكندية، قبل أن يتم تعيينه نائبًا لمحافظ بنك كندا، بحسب صحيفة «بوليتيكو». وفي عام 2008، وخلال ذروة الأزمة المالية العالمية، تولى منصب محافظ بنك كندا وهو في ال43 من عمره، ليصبح ثاني أصغر شخص في تاريخ البنك المركزي الكندي، وتميزت قيادته باتخاذ قرارات جريئة مثل خفض أسعار الفائدة، مما ساعد كندا على التعافي السريع من الأزمة. وفي 2013، أصبح كارني أول شخص غير بريطاني يتولى منصب محافظ بنك إنجلترا منذ تأسيسه عام 1694، وقاد البنك خلال فترات عصيبة، مثل تداعيات استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وساعد على تحقيق استقرار نسبي في الأسواق رغم حالة عدم اليقين. وعُرف مارك كارني بدعوته إلى سياسات نقدية مرنة وتحقيق الاستقرار المالي، كما كان من أوائل المصرفيين المركزيين الذين سلطوا الضوء على مخاطر التغير المناخي على الاقتصاد، حيث دعا إلى اقتصاد مستدام يعتمد على التمويل الأخضر.