يرحل الزمن، يتغير، وترحل الأماكن أيضاً، لكن الأصعب رحيل المشاعر، فهل ترحل مشاعرنا مع رحيل الأيام والسنوات والأماكن، وتتحول إلى ظلال مشاعر..؟! الأحد: تمضى بنا الحياة، فى رحلة كالبحر الهائج، ونحن نحاول النجاة والوصول إلى بر الأمان، نقاوم بلا توقف لا نخشى الأمواج العالية، تدفعنا الأحلام إلى الأمام، وتجذبنا الآلام والأخطاء وملل الحياة إلى الوراء، وبين حلاوة الأمل ومرارة اليأس، بين فرحة الاقتراب وألم الابتعاد تنقضى أعمارنا، ونقترب من الرحيل إلى حياة أخرى؛ أبدية. فى رحلة الحياة، محطات تقف فيها، تلتقط أنفاسك، تقترب أكثر من نفسك، من ذاتك، تسأل وتجيب، تتملكك الحيرة أحياناً، ويسيطر عليك الارتباك أحياناً كثيرة، ويبقى السؤال: هل أعيش حياتى أم أحيا حياة زائفة، بلا معنى ولا هدف، ظلال حياة، من أكون و»ماذا يمكن أن يكون لو أن ما كان لم يكن»؟! ظلال مشاعر الاثنين: يرحل الزمن، يتغير، وترحل الأماكن أيضاً، لكن الأصعب رحيل المشاعر، فهل ترحل مشاعرنا مع رحيل الأيام والسنوات والأماكن، وتتحول إلى ظلال مشاعر..؟! رحيل، عبور، ذهاب، انتقال، سفر، كلمات متعددة تحمل معنى الفقدان والابتعاد، لا يرتبط الرحيل عندى بالموت ومحو الأثر، فكم راحل يبقى فى وجدانك ومشاعرك، وكثيرون حولك تراهم كل يوم، تتعامل معهم، تتحاكى، تتكلم، تناقش، تتشاحن، تتشاجر، لكنهم عنك راحلون، لا وجود لهم ولا أثر، فالأيام ترحل، والسنوات ترحل، والمشاعر ترحل، كلنا راحلون .. عابرون ..! فى السفر .. رحيل، فى الهجر .. رحيل، فى الموت .. رحيل، فى الموت ينتقل الجسد، يفنى وتبقى الروح، وفى السفر موت أصغر، يبتعد المرء عن محيطه، حياته، أبنائه، بعد فترة يدخل طى النسيان، وعند الرجوع، العودة، يدرك أنه رحل منذ زمن من العقول والقلوب المحيطة، ويدرك أيضاً أنه بات فى محيط الأعداء ضد الأعداء. وفى الهجر؛ يترك الحبيب حبيبه ويرحل، ماتت مشاعره وأحاسيسه ولم يعد قادراً على البقاء، وأصبح الرجوع كأنه الموت، هنا أقسى أنواع الرحيل، رحيل بلا حدود ، رحيل مبين، موت بالحياة، أن تتحول أحاسيس الحب والعطف والمودة والرحمة إلى حقد وكراهية، أن تنتهى وتفنى المشاعر، وتضحى ظلال مشاعر .. ظلال إنسان الثلاثاء: وقف الصبى مستنداً بيده اليمنى على شجرة الصفصاف الصغيرة المزروعة أمام المنزل، تملأ الدموع عينيه، لا يحيد بصره عن النظر إلى أبيه الذى قرر الابتعاد، شريط طويل من الذكريات أطلت من عينى الصبى، واخترقت دموعه قلب أبيه الذى لم يعد يملك سوى قرار الرحيل بعيداً عن المكان الممتلئ بمشاعر الحقد والأنانية والكراهية، سنوات وسنوات لم يفترق الابن عن أبيه، لم يبق منها سوى ظلال ذكريات، ظلال أماكن، ظلال إنسان. ستبقى تلك الليلة بلا بقية، ليلة بلا غد، فاصلة فى حياة الصبى الذى وقف صامتاً، أكثر أنواع الصمت إرباكاً، فى موجة بكاء بلا نحيب، صامت، مستمر، لا يتوقف، أظهرت الحياة قسوتها، وأدرك أن كل ما مضى من عمره ليس إلا تفاهة، وأنه سيبقى وحده على رصيف رحلت عنه كل القطارات، فى تلك الليلة؛ تذكر الصبى مواقف كثيرة جرت بينه وأبيه. بدأت ملامح المستقبل تتراءى فى عيونه؛ مستقبل لن يكون الأب موجوداً فيه، وقف حائراً، فقد كان دائماً يحسب حساب السعادة، لم يدرك أن فى الحياة تعاسة أيضاً. غريب ومبهر ذلك الجسر الصامت الذى يقوده من ضفة الفرح إلى ضفة الحزن دون أى ذنب اقترفه سوى حبه لأبيه. يرحل الأب ويستمر الصبى مقسوماً، شارداً، حزيناً، باكياً كل ليلة، بعد إدراكه أن فرحته بأبيه لن يبقى منها سوى ذكرى سعادة غرقت فى الدموع، وستضحى حياته ظلالاً، ظلال ذكرى، ظلال إنسان. ظلال ذكرى الأربعاء: أدرك الشاب أن الحلم أصبح كابوساً، ولابد أن ينتهى بسرعة، بعد سنوات طويلة من التردد لم يستطع أن يطلق خلالها صرخة الخلاص، وتأكد متأخراً أن الواقع تحول إلى لا واقع، و»أن العجزعن الصراخ وسط الكابوس أسوأ من الكابوس نفسه !»، جاءت لحظة الحقيقة، تدفقت أمام عينيه؛ رغم محاولات التغاضى والنسيان، صور أيامه وحياته وسنواته الماضيه وكأنها سفينة تسير وسط أمواج عاتية، يدخلها الماء من ثقوب كثيرة وما عادت أصابعه تكفى لسد الثقوب، وأضحت آلامه كضربات مطرقة فوق رأسه، فى وجدانه، وسرى بداخله هاتف يناديه، يطالبه، يأمره بالتحرك الآن أو لن يتحرك أبداً، إنها الفرصة الأخيرة. ولم يبق لديه سوى رغبة فى البكاء وقرار بالخروج. فى طريق الخروج، تتساقط دموع الندم ألماً وحسرة على ما فات ومضى، على أيام صباه وشبابه وتمسكه بطريق يتوهمه حلماً، وتستدعى ذاكرته حديثه مع أبيه وجده؛ رغم مرور السنوات، ويسترجع خوفهما الشديد عليه، ومطالبتهما له بالتراجع والابتعاد لأن الفشل محسوم طالما كانت البداية خاطئة، الآن يأتيه صوت الحكمة من بعيد؛ من أعماق الماضى، يخبره أنه مع كل أزمة يجب على الإنسان أن يتجدد، فالانتصارات والانكسارات جزء من حياة من يريد أن يعيش حياته بعيداً عن حياة الجبناء الذين لا يربحون ولا يخسرون أبداً. فى كل لحظة يجب على الإنسان أن يتجدد ويتجدد ولا يترك نفسه حبيساً للذكرى ..أو ظلال ذكرى .. ظلال الصمت الخميس: اقترب قطار عمره من الوصول إلى محطة الفراق، لحظة الانتقال إلى هناك، مقامه الأبدى، فوق سرير الوداع تمدد الجسد المنهك من قسوة المرض، محاطاً بخيوط تمده بقطرات قليلة من الغذاء، وأخرى تمنحه نسمة هواء تساعده على البقاء واعياً، وسط خفقات قلب مرهق وتأوهات تخرج من صدر مهترئ بعد سنوات تدخين بلا توقف. تختفى الكلمات ويملأ السكون المكان، ويتحول الصمت إلى ظلال.. وقف الابن بجوار السرير متطلعاً إلى وجه أبيه، وراح الأب ينظر فى عينى ابنه، نظرة حانية، عميقة وبليغة، أراد بها أن يخبره أنه يرحل، يموت، وأنه يعرف ذلك، وأراد الابن أن يقول: لا ترحل. أدرك أنه يسمع صوت موت أبيه يهمس فى أذنيه: أنه يقترب من صمت العصافير النائمة فوق أشجار المانجو والعنب، حيث كان يحب أن يجلس، ويبقى طوال الوقت متطلعاً إلى أعلى، متسائلاً: من أين تأتى العصافير إلى الحياة وإلى أين تمضى؟! مع مرور الزمن يتحول الحزن إلى صمت، ويتحول الصمت إلى إحساس عميق بالوحدة وسط ظلمات شاسعة فى ليال طويلة يغيب فيها القمر ويختفى منها الحبيب، ويصبح صدى حلم لحب مستحيل، يرحل الأب وتبقى كلماته محفورة، راسخة فى وجدان الابن، فى العقل، تنير الطريق، كم من مواقف واجهته وعبرها متذكراً النصيحة، مدركاً، متيقناً أن الموتى لا يغادرون تماماً، تبقى رائحتهم لا تزول، وتصمد أشياؤهم تقاوم النسيان والعدم، وتظل كلماتهم حرة طليقة كالعصافير، فى كل مكان وزمان ولا يستطيع أحد أن يحبسها أو يتاجر بها .