لم اتفاجأ بخبر اغتيال يحيى السنوار، زعيم حركة حماس، وكنت أتوقع نبأ استشهاده في أي لحظة، فالرجل الذي ظل يدافع عن أرضه لسنوات، يقبع خلف قضبان سجون الاحتلال لمدة تقارب ربع قرن، اختار الموت في أرض النضال، رغم أنه كان لديه الفرصة، للفرار خارج قطاع غزة، الذي تحول لأكوام من الأنقاض، بعد أن تهدمت معظم بناياته، إثر الغارات الوحشية لجيش الاحتلال الإسرائيلي. استشهد «السنوار»، بعد تاريخ حافل من النضال، للدفاع عن وطنه فلسطين، فهو مؤسس جهاز حماس الأمني «المخابرات» ويدعى «المجد» في عام 1985، وهو الجهاز المخول بملاحقة جواسيس إسرائيل، ويعتبر شقيق السنوار «محمد»، أحد أبرز قادة كتائب «عزالدين القسام» الجناح العسكري لحركة حماس. اعتقل جيش الاحتلال يحيى السنوار، لأول مرة في عام 1982، لمدة أربعة أشهر، وعاد للمعتقل مرة أخرى في عام 1985 لمدة ثمانية أشهر، بعد اتهامه بإنشاء جهاز «المجد»، الأمني. وفي عام 1988، اعتقل السنوار مجددًا وصدر في حقه حكم بالسجن أربعة مؤبدات، بتهم تتعلق بتأسيس جهاز «المجد»، والمشاركة في تأسيس الجهاز العسكري الأول للحركة «المجاهدون الفلسطينيون». غادر «السنوار» سجون الاحتلال، عام 2011 خلال صفقة «وفاء الأحرار»، مع أكثر من ألف أسير فلسطيني، في مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. خلال سنوات السجن كان «السنوار» متابعًا للمجتمع الإسرائيلي، وواظب على متابعة ما صدر في الإعلام العبري باستمرار، كما اطلع على الكثير من الدراسات المكتوبة بالعبرية، التي تناولت الوضع الداخلي الإسرائيلي، وهو ما انعكس كثيرًا على أسلوبه وتعاطيه مع المؤسسات العسكرية والمدنية والمجتمع في إسرائيل، وقام بتأليف كتب بالعبرية. وجّه «السنوار» صفعة قوية لحكومة الاحتلال بزعامة نتنياهو، عندما خطط تخطيطًا يعكس ذكائه وخبرته الاستراتيجية، بتنفيذ عناصر حماس الهجوم على المستوطنين في 7 أكتوبر 2023، وكان بمثابة ضربة مدوية لجيش الاحتلال، ورغم التخطيط للعملية الناجحة، إلا أن «السنوار» وقادة حماس، لم يدركوا تداعيات الهجوم، الذي دفع جيش الاحتلال، لشن حرب إبادة غير مسبوقة، تجاه المدنيين العُزل في قطاع غزة، والذي أسفر حتى الآن عن استشهاد أكثر من 40 ألف فلسطيني بخلاف العدد الهائل من الجرحى. «السنوار» هو الصيد الثمين، الذي كانت تخطط إسرائيل لاغتياله، قبل إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية، بعدها تولى «السنوار» زعامة حماس، وظل الهدف الأول، الذي يسعى نتنياهو للتخلص منه بدافع الانتقام، لتهدئة الرأي العام في الشارع الإسرائيلي، المشتعل غضبًا بسبب الرهائن المحتجزين لدى «حماس»، وقُتل عدد منهم في غارات لجيش الاحتلال. لسنوات عدة ظل قادة حركة حماس إسماعيل هنية وخالد مشعل وغيرهم، قابعين في دولة قطر، التي تحتضن وتنفق على الحركة منذ سنوات، وكان من الممكن أن يهرب «السنوار» خارج غزة، بعد عملية 7 أكتوبر، لكنه رفض وقرر أن يبقى وسط قواته، يقودهم في ميدان المعركة، لمواجهة العدو الصهيوني. شجاعة يحيى السنوار، لم تكن وليدة اللحظة، وإنما نابعة من عقيدة راسخة، بأن الدفاع عن الوطن والموت في سبيل تحرير الأرض، هو الهدف الأسمى للجندي المقاتل.. وأظهر مقطع فيديو للشهيد قال فيه: «اغتيالي هو أعظم هدية يمكن أن يقدمها لي العدو» شجاعة يحيى السنوار.. وعقب إعلان الخبر المشؤوم، باغتيال جيش الاحتلال البطل، تؤكد تفاصيل العملية، والمشاهد التي أذاعتها الوكالات الإخبارية، شجاعة وصمود «السنوار»، الذي قاوم حتى آخر نفس، ورغم بلوغه الستين من عمره، كان ممسكًا بسلاحه، وواجه الاحتلال بشجاعة دون استسلام. استشهد «السنوار» في ميدان المعركة، وسيبقى تاريخه النضالي حاضرًا في عقول وأذهان الفلسطينيين والشعوب العربية، وتظن إسرائيل أنه بوفاة زعيم حماس ستنتهي القضية، ولكن ستظل المقاومة حاضرة وصامدة ولن تستسلم، ليس مجرد كلام إنشائي أكتبه من وحي خيالي، وإنما نابعًا من تاريخ طويل مر على الشعوب العربية، التي عانت لعصور من الاحتلال والاستعمار، واستطاعت بعقيدة إيمانية وشجاعة تحرير الأوطان من براثن الأعداء. يوم الثلاثاء 6 أغسطس 2024، تم اختياره كرئيس للمكتب السياسي في "حماس"، خلفا لإسماعيل هنية، بعد مشاورات عقب اغتيال هنية في العاصمة الإيرانية طهران.